سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤١٥ - موكب عائشة في طريقها إلى البصرة و ما جرى فيها من أحداث
لابن عمه من قبل و قد كتب عليه أن يقاتلها على تطبيق الرسالة كما قاتلها هو و ابن عمه رسول اللّه على تنزيلها.
و كان يتمنى أن يقاتل بهم أعداء الإسلام لتبقى الرسالة و تتجه في طريقها الصحيح و عاد يتأمل القتلى من الجانبين و قلبه يتصدع لهذا المشهد الذي وجد فيه رفاقه في الجهاد مع رسول اللّه صرعى أطماعهم و أهوائهم، و جعل يترحم على هؤلاء ثم صلى عليهم و أذن لذوي القتلى بدفن قتلاهم، و لم يفسح المجال لأحد ممن و ترهم طلحة و الزبير بأولادهم و اخوانهم و عشائرهم أن يأخذوا من أموال المنهزمين إلا ما وجدوه في المعركة من أسلحة و أمتعة كانوا يحاربون بها، و أمرهم برد بقية الأموال لأصحابها، و قال: ليس في هذه الحرب مغنم لمنتصر، و أرسل من ينادي في البصرة من عرف شيئا له فليأخذه.
و جاء في بعض المرويات أن جماعة من أصحابه أرادوا الاستيلاء على جميع متروكات المتمردين و ألحوا عليه أن يسمح لهم بذلك، كما اعتادوه في حروبهم و معاركهم فأجابهم بأن بين الأسرى أمكم عائشة فمن يأخذها في سهمه.
و سواء صحت هذه الرواية أو لم تصح فالمتيقن أنه عفا عن الجميع و لم يسمح لأحد أن يأخذ من أموال المتمردين شيئا، و بلا شك لو أن الغلبة كانت لعائشة و جيشها لمثلوا بجثث القتلى من أنصاره و أباحوا لجيشهم جميع أموال المنهزمين و حتى نسائهم و أولادهم و لم يتركوا وسيلة من وسائل الارهاب و العنف و الانتقام إلا ارتكبوها.
إن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب في جميع معاركه التي خاضها مع اخصامه الذين انشقوا عليه لم يحاربهم ليصنع انتصار جيش على جيش بالسلاح و العتاد كما كان يصنع اخصامه، بل كان يحارب ليصنع جيشا من المسلمين يستعين به على احقاق الحق و على الظلم و الظالمين و الطغاة المستبدين و تركيز المبادئ الإسلامية في النفوس لتصبح و كأنها غريزة أو فطرة، و لذلك لما دخل البصرة لم يترك وسيلة من الوسائل إلا و استعملها مع المتمردين رغبة في الصلح و السلام و جمع الكلمة، و لما يئس منهم و انتهت المعركة التي فرضت عليه بهزيمتهم