سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٠ - الصحابية الأولى خديجة بنت خويلد
فمضت به من ساعته إلى عمها ورقة بن نوفل لتقص عليه ما جرى له، و لم يكد يراه حتى صاح و الذي نفسي بيده أنك لنبي هذه الأمة و لتكذبن و لتؤذين و لتخرجن و تقاتلن، و لئن أدركت ذلك اليوم لأنصرن اللّه فيك. ثم دنا منه و قبل يافوخة، فقال له النبي:
أو مخرجي هم.
فقال له:
نعم لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، ليتني أكون جذعا ليتني أكون فيها حيا.
فطابت نفس النبي (ص) بما سمع و آب إلى بيته ليبدأ نضاله في سبيل الدعوة مهما كلفه ذلك من جهد و تضحيات، و هو يعلم أن قريش لا تتنازل عن كبريائها و جبروتها، و هي ترى أن محمدا يسخر من الأصنام و الأوثان التي وجدوا آباءهم لها عابدين من عشرات السنين و يدعو إلى إله واحد لا شريك له و لا نظير و إلى تحرير العبيد و المستضعفين من تسلط السادة و المترفين.
و وقفت زوجته إلى جانبه من اللحظات الأولى بنفسها و مالها و جاهها تنصره و تشد أزره و تشاركه كل أنواع الأذى و الاضطهاد و الحرمان في جميع المراحل التي مرّ بها كما اتفق على ذلك جميع المؤرخين و المحدثين.
و لما اتفقت قريش على مقاطعة الهاشميين و التضييق عليهم و حرمانهم حتى من ضرورات العيش و أخرجتهم من مكة إلى شعب أبي طالب و ضيقت عليهم الحصار حتى يموتوا جوعا أو يعودوا إلى قريش و آلهتها، لما اتفقت قريش على ذلك و نفذت بنود الاتفاق لم تتردد السيدة الجليلة في الخروج مع زوجها العظيم و تخلت عن دارها و مالها تاركة كل ذلك بنفس طيبة مطمئنة بحسن المصير و أن الفوز في النهاية سيكون للمؤمنين بحقهم و الصابرين على الأذى في سبيل اللّه.
و أقامت معه في الحصار نحوا من ثلاث سنوات تشاركه أهوال الحصار و مرارة الجوع و الحرمان و قد أشرفت على الشيخوخة المضنية تكافح الوهن الذي أخذ طريقه إلى جسمها و قد تخطت الستين و ظلت إلى جانب محمد (ص) و المحاصرين معه من القلة المؤمنة التي صبرت على كل أنواع الضيم و على صراخ