سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٨ - الصحابية الأولى خديجة بنت خويلد
لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر و لا الليل سابق النهار و كل في فلك يسبحون.
و هو مع ذلك يستخف بقومه، و يستبشع منهم تقديس تلك الأصنام التي كدسوها حول الكعبة و قدموا لها القرابين و عبدوها من دون اللّه و هي لا تجلب لهم نفعا و لا تدفع عنهم سوءا.
لقد كانت مواقفه تلك توحي إليه أنه سينتهي إلى شيء، و يحس من خلالها أنه سيدنو من الحقيقة الكبرى و سينجلي له السر الأعظم، و ظل يتابع مواقفه هذه و قد أشرف على الأربعين من عمره و ألف الخلوة في غار حراء و استطابها، و ما كانت خديجة و قد قاربت الستين من عمرها لتضيق بهذه الخلوات التي تحول بينها و بينه في أكثر الأحيان، أو تحاول أن تعكر عليه صفو تأملاته، بل كانت تحوطه بالرعاية و الهدوء ما دام في بيتها، فإذا انطلق إلى حراء ظلت عيناها تشخص إليه و لا تفكر بشيء سواه، و ترسل إليه من يحرسه و يرعاه و لو من بعيد بدون أن يقتحم عليه خلوته أو يفسد عليه وحدته.
و هكذا كان يبدو على الزوج العظيم و كأنه مهيأ لاستقبال تلك الرسالة، و لكنه بالرغم من ذلك فما جاءه الوحي و هو معتكف في الغار حتى انطلق يلتمس بيته مع ظلمة الفجر مرتعد الأوصال، حتى بلغ حجرة زوجته الوفية الصادقة، فأحس و كأنه قد بلغ مأمنه. و جلس إلى جانبها يحدثها بكل ما جرى و ما حدث معه في الغار و قد بدا عليه الاجهاد، فأقبلت عليه بلهفة الأم الرءوف و هتفت به في ثقة و يقين قائلة أبشر يا ابن العم وثق بأن اللّه لا يخذلك أبدا، إنك لتصل الرحم و تصدق الحديث و تحمل الكل و تقري الضيف و تعين على نوائب الدهر، و ما زالت به حتى هدأ روعه و أحس بالراحة و الطمأنينة و هي تهيئ له فراشه و تأخذ بيده إليه كما تفعل أم بطفلها الوحيد، و ما زالت به حتى اطمأن إلى النوم و غرق فيه، فانسلت من الحجرة ثقيلة الخطا حتى إذا بلغت الطريق اندفعت تجري نحو ابن عمها ورقة بن نوفل و مكة لا تزال تنعم بغفوة الصبح، و قد بدأت تباشير الفجر تسير على مهل نحو النهار. و جاءت ابن عمها فأقعدته من فراشه و قد ظهر عليه الإعياء من آثار الشيخوخة فأخذت تحدثه و هو يصغي إلى