سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٧ - الصحابية الأولى خديجة بنت خويلد
لقد اعطت خديجة زوجها حبا و هي لا تشعر بأنها تعطي، بل تأخذ منه حبا فيه كل السعادة، و أعطته ثروة و هي لا تشعر بأنها تعطي، بل تأخذ منه هداية تفوق كنوز الأرض و هو بدوره اعطاها حبا و تقديرا رفعاها إلى أعلى مرتبة و هو لا يشعر بأنه قد اعطاها، بل قال ما قام الإسلام إلا بسيف علي و مال خديجة، و أعطاها مع ذلك عمره و زهرة شبابه و لم يتزوج بغيرها حتى غابت عن الوجود و هو لا يشعر بأنه اعطاها.
و كان يقول:
(لا و اللّه ما ابدلني اللّه خيرا منها آمنت بي اذ كذبني الناس و واستني بمالها اذ حرمني الناس).
بعد خمسة عشر عاما من تاريخ زواجهما الفريد من نوعه و الذي كان و سيظل حديث الناس، لأنه كان سخيا في البذل و العطاء و الصبر و التضحيات في سبيل المبدأ و العقيدة في أحلك الساعات و أقسى المراحل التي لا يقوى على تحملها انسان.
بعد هذه الأعوام التي أطل بعدها الزوج العظيم على الأربعين استقبل الزوجان ذلك الحدث الخطير لا في حياة تلك الأسرة الوادعة فحسب و لا في حياة قريش و العرب وحدهم، بل في حياة الانسانية جمعاء، فقد تلقى الزوج العظيم رسالة السماء ايذانا بحياة جديدة شاقة مليئة بالاضطهاد و المتاعب و النضال المرير.
و في الحق أن ذلك الحادث الذي نريد أن نمر عليه مرورا خاطفا لنشير إلى دور تلك الزوجة الفاضلة فيه، هذا الحادث لم يكن مفاجئا لمحمد بن عبد الله بكل ما في هذه الكلمة من معنى، و لم يكن يستبعد أن ينتهي إلى شيء من تأملاته العميقة و تفكيره الطويل في خلواته بنفسه بعيدا عن الناس ليجد المناخ الملائم للتفكير و التأمل في الكون و تقلباته و ما فيه من الكائنات، و يستشف أدق ما فيه من أسرار ليلمح من ورائها قوة عظمى خفية تدبر وفق نظام دقيق و نواميس منتظمة متناسقة.