سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٤ - الصحابية الأولى خديجة بنت خويلد
الكبرى خديجة في دارها تراقب طريق القافلة في لهفة ممزوجة بشيء في نفسها لا تجد له تفسيرا و إلى جانبها الغلام يملأ أذنيها بنجاح الرحلة و ما جرى لمحمد في الطريق من الغرائب. و فيما هي غارقة في التفكير و التأمل و إذا بمحمد (ص) يدنو من دارها بطلعته الوسيمة و ملامحه النبيلة فاستقبلته مرحبة بقدومه و مهنئة بسلامة العودة بكلمات تفيض عذوبة و حنانا، ورد عليها شاكرا لها هذا الموقف، و عاد يقص عليها أنباء رحلته و ربح تجارتها و ما حمله معه من انتاج بلاد الشام مما تفتقر إليه أسواق الحجاز، و أصغت إليه معجبة بحديثه و بشخصه الكريم الذي وجدت فيه من النبل و كريم الصفات ما لم تجده عند غيره من كهول مكة و شبابها المترفين حتى انتهى و خرج من دارها، و ظلت واقفة تتبعه عيناها إلى أن توارى في منعطف الطريق متجها إلى حيث يقيم عمه الكفيل أبو طالب، فاستقبله بلهفة و ارتياح و هنأه بالعودة سالما لم يمسه مكروه من أعدائه و لا من وعثاء السفر و بعد المسافة.
و بعد هذه الرحلة الموفقة يدعي المؤرخون أن خديجة التي أكبرت في محمد نبله و صدقه و جميع صفاته و ما حدثها به ميسرة من غرائب الأحداث التي حصلت له في طريقه باتت ليلتها تفكر في أمره و بما سيكون له من شأن في مستقبله القريب، و عادت تستعرض شمائله و سيرته الطيبة العطرة و تمنت لو أنها تصبح شريكة له فيما بقي من عمرها بعد أن نفضت يديها من الرجال و راحت تستعرض ما يحول بينها و بين ذلك، و هل يستجيب ابن عبد الله مع شبابه الغض و فتوته الساحرة وصيته الذي ملأ القلوب و الاسماع لعاطفة أرملة كهلة بلغت الأربعين و هو لا يزال في ريعان شبابه قد انصرف عن عذارى مكة و زهرات بني هاشم، و ما هي بالنسبة إليه إلا كخالة أو أم، و لو عاشت آمنة بنت وهب لذلك التاريخ لما تجاوزت سن الأربعين فكيف بها و قد بلغت هذا السن و تزوجت قبله مرتين، و فيما هي في تلك الغمرة الهائجة من القلق و الصور تتزاحم في نفسها، و إذا بنفيسة ابنة منبه احدى صديقاتها تدخل عليها زائرة و عبثا تحاول خديجة بنت خويلد أن تعود إلى طبيعتها، و لم يغب عن الزائرة ما في نفسها من القلق و الاضطراب فلم تتركها حتى كشفت لها عما في نفسها، فهونت عليها الأمر و تعهدت لها بأن تفاتحه في الزواج منها و تعمل على تحقيق أمنيتها