سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣١٢ - علي و بيت المال
المسلمين، فترك الناس عليا و التحقوا به، و أضاف إلى ذلك أن عليا شكا للاشتر تخاذل الناس عنه فكان جواب الاشتر من وحي الواقع الذي عاشه الناس في ذلك العصر، فقال له: يا أمير المؤمنين إنك تأخذهم بالعدل و تعمل فيهم بالحق و تنصف الضعيف من القوي و الوضيع من الشريف فضجت طائفة ممن معك من الحق و العدل و رأوا صنائع معاوية عند الرؤساء و الأشراف فتاقت نفوسهم إلى الدنيا و قل من ليس للدنيا بصاحب في حديث طويل جاء فيه فإن تبذل الأموال تمل إليك أعناق الرجال و تصف لك نصيحتهم و يخلص لك ودهم.
فأجابه الامام (ع) بقوله: إن ما ذكرته من عملنا بالعدل و حرصنا على الحق فاللّه يقول: من عمل صالحا فلنفسه و من أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد، و أنا مع ذلك أخاف أن أكون مقصرا في شيء من حقوق عباده، و من ثقل عليه الحق و العدل و فارقنا فاللّه يعلم بأنه لم يفارقنا من جور و لا لجأ إذ فارقنا إلى عدل، و لم يلتمس إلا دنيا زائلة و لا بد و أن يسأل يوم القيامة عما كسب، و أما بذل المال و شراء الرجال به فلا يسعنا أن نؤتي امرأ من الفيء أكثر من حقه، و اللّه سبحانه يقول: كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن اللّه، و لقد بعث اللّه محمدا وحده فكثره بعد القلة و أعز فئته بعد الذلة [١].
بهذا الأسلوب حكم الناس أمير المؤمنين (ع) يوم صارت إليه الخلافة و أبى أن يصانع أحدا على حساب دينه و أن يطلب النصر بالجور و يشتري الضمائر و الأنصار بأموال المسلمين، و كاد أن يقطع يد ابنته أم كلثوم لأنها استعارت عقدا من بيت المال لتلبسه في عيد من الأعياد ساعات ثم ترده إلى مكانه فانتزعه منها بعد أن هدد وكيله على بيت المال بالعقوبة الصارمة إذا عاد لمثلها أو سمح لأحد أن يتصرف و لو بدرهم واحد، و قال لابنته: لا تذهبي بنفسك عن الحق اكل نساء المهاجرين و الأنصار يتزين في هذا العيد بمثل هذا.
[١] شرح النهج ج ١ ص ١٨٠.