سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٧٦ - موقف ابي ذر الغفاري من عثمان و حاشيته
في جميع أموره و يناصر المظلومين و المضطهدين لم ترهبه سطوة الجبابرة و سياطهم و لم يلن و ينحن للعروض و المغريات على ضخامتها.
لقد سمع من خليفة المسلمين و هو يحكم مركزه الامين على أموال العباد و خيرات البلاد ليسلمها إلى أهلها سمعه يقول لخازن بيت المال: انما المال مالنا و الفيء فيؤنا فمن شئنا اعطيناه و من شئنا منعناه، و رأى الوليد بن عقبة و مروان بن الحكم و ابن ابي سرح و أمثالهم من الطغاة يعيثون و يفسدون و يستهترون بالقيم و الدين و بكل ما جاء به الإسلام لا يرعون حرمة لاحد و لا شرفا لعرض، و يتمتعون بالحصانة التي تحميهم من غضبة الشعوب لانهم من الأسرة الحاكمة، و رأى مع ذلك كله التفاوت الطبقي و الروح القبلية و العنصرية الجاهلية التي حاربها الإسلام، و لم يعد لأحد من المسلمين على اختلاف طبقاتهم و مراتبهم مكان بين الطبقة الحاكمة إلا إذا كان بطانة أو تابعا يسير في ركابهم، و لم يعد فرق في عهد عثمان بين الدولة التي اسسها محمد بن عبد الله و شقت طريقها الى القلوب و النفوس بأنظمتها التي تحفظ لكل انسان حقه في الحياة كاملا غير منقوص و تحارب الاستغلال و جميع الامتيازات التي كانت تحمي الجبابرة و الطغاة، و لا تفضل احدا على احد الا بالتقوى و العمل الذي ينفع و ان اسود لون العامل و ابيض لون الخامل المتكاسل، لم يعد فرق بين الدولة التي كان على رأسها عثمان و دولة ابي جهل و أبي سفيان و الفرس و الرومان.
كل ذلك قد كان في عهد عثمان و قد رآه أبو ذر كما رآه غيره و وقف الى جانب غيره من الحريصين على مصلحة الاسلام يعملون بكل ما يملون لتصحيح تلك الانحرافات فلم يجدوا من يصغي إليهم و لا من يسمع لهم فارتفع صوت ابي ذر مدويا عاليا في انحاء الدولة، و اللّه اني لأرى حقا يطفأ و باطلا يحيا و صادقا مكذبا و اثره بغير تقى و صالحا مستأثرا عليه، فكان جزاؤه الضرب و الشتم و التشريد.
و يروي المؤرخون ان من جملة الأسباب التي اثارت غضب عثمان على ابي ذر بالاضافة إلى تصريحاته و ثورته على الباطل و أهله، ان عثمان بن عفان لما اعطى مروان بن الحكم و غيره من بني العاص و بني أميّة ما في بيت المال من