سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٣٦ - ما حدث بعد الصلح
و باكية يندبون حظهم و مصيرهم المظلم في عهدهم الجديد و قد اصبح بلدهم مصرا من الأمصار و تابعا لدمشق بعد أن كان عاصمة الأمصار يصدر القرارات و يوزع الولاة و تحبى إليه الخيرات، و رأوا جيش معاوية الذي كان عدوهم بالأمس يحتل بلدهم نشوان بلذة النصر و الفتح و سمعوا معاوية و هو على منبر امير المؤمنين يقول جذلان مسرورا: اني قاتلتكم لأتأمر عليكم و قد اعطاني اللّه ذلك و أنتم له كارهون.
لقد رحل عن الكوفة هو و أهل بيته و سارت قافلته تطوي البيداء، فلما انتهى الى دير هند القى على عاصمته نظرة مليئة بالأسى و اللوعة و تمثل بقول القائل:
و لا عن قلى فارقت دار احبتي* * * هم المانعون حوزتي و ذماري
و قبل أن يقطع موكبه مسافة بعيدة عن الكوفة ادركه معاوية يطلب إليه الرجوع إليها ليقاتل طائفة من الخوارج اعلنوا العصيان و التمرد في جوارها، فأبى أن يرجع و كتب إلى معاوية: لو آثرت أن اقاتل احدا من أهل القبلة لبدأت بقتالك قبل أي احد من الناس [١].
و مضى في طريقه و كلما حاذى موكبه قرية أو حيا من الاحياء خف اهله إلى استقباله و الترحيب به، و سألوه عن الصلح و أسبابه و ظروفه، و الإمام (ع) يخبرهم بالواقع الذي اضطره إلى ترك السلطة و تسليمها لمعاوية، و لما انتهت قافلته إلى يثرب استقبله اهلها بالترحاب و ذكروا به رسول اللّه و هو يحمله على كتفه و يقول حسن مني و أنا من حسن اللهم اني احبه فأحبه و أحب من يحبه.
فأقام في يثرب عشر سنين انصرف فيها إلى خدمة الإسلام و نشر تعاليمه و كل ما يعود على الإسلام و أهله بالخير و كان مع ذلك موئلا لذوي الحاجات و نصيرا للمظلومين و موردا كريما للفقراء و المحتاجين، و خلال اشهر معدودات من
[١] الكامل لابن الاثير ج ٣ ص ٣٠٨.