سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٣٩ - معركة صفين و ما رافقها من أحداث
القصاص منهم، و بعد تمرد عائشة و طلحة و الزبير تعزز موقفه و أصبح يطالب باعادة الخلافة شورى بين المسلمين على أن يكون له و لا تباعه رأي في ذلك، و قد رد أمير المؤمنين على طلبه الأول بأن يدخل فيما دخل فيه المسلمون ثم يحاكم القوم إليه ليقتص لعثمان من قاتليه إذا أدينوا بجريمة توجب القصاص، ورد علي (ع) طلبه الثاني، بأن خلافته قد تمت باجتماع أهل الحرمين الذين بايعوا الخلفاء الثلاثة من قبله و بايعه بالاضافة إلى أهل الحرمين جميع أهل الأمصار ما عدا الشام، على أن بيعة المهاجرين و الأنصار وحدها تكفي لالزام الشاهد و الغائب و لم يتخلف منهم سوى ثلاثة أو أربعة قد اعتزلوا الناس و لم يناصروا أحدا عليه، و بقي على أهل الشام أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس، و إلا كانوا من البغاة بحكم الإسلام و القرآن الذي أوجب قتالهم حتى يفيئوا إلى أمر اللّه.
فمن المتعين في مثل هذه الحالات أخذ هذه الأسباب بعين الاعتبار و تدوينها، و من ثم معالجة المشكل على اساسها في حين أن الصحيفة قد اهملتها و لم تتعرض لشيء منها و لا طرقها الحكمان خلال حوارهما كما يبدو ذلك من الروايات التي تحدثت عما دار بينهما، و يشير بعضها إلى أن اقصاء أمير المؤمنين عن الخلافة كان أمرا مفروغا منه لدى الطرفين، و لكن خلافهما كان على البديل فقد اقترح أبو موسى الأشعري عبد الله بن عمر بن الخطاب كما نصت على ذلك الروايات، فرد عليه ابن العاص بأن عثمان بن عفان قتل مظلوما و معاوية وليه، و تلا عليه الآية و من قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا، هذا مع العلم بأن الولي الذي تشير إليه الآية هو وارث المقتول فإن لم يكن له وارث فوليه الحاكم الشرعي، و علي (ع) هو الحاكم يوم ذاك و لا احسب احدا يجهل هذه الحقيقة في حين أن أبا موسى لم يبد أية ملاحظة حول هذه الناحية، و مضى ابن العاص يغريه بالسلطة إن هو وافق معه على أن تكون لمعاوية كما جاء ذلك في المجلد الاول من شرح النهج، و بعد حوار طويل بين الطرفين استطاع ابن العاص أن يخدعه فأظهر له موافقته على اقصائهما معا و ترك الأمر للمسلمين يختارون لأنفسهم من يريدون، و كان ما أراده ابن العاص فخلع أبو موسى عليا و أثبت ابن العاص معاوية و انتهت مهزلة التحكيم على هذا النحو كما يرويها المؤرخون.