سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٠٠ - زهده في الدنيا
زهده في الدنيا
يتصل الحديث عن زهد أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في الدنيا بالحديث عن بطولاته و فروسيته و ما يتبعهما، لأن الشجاعة و البطولات و ما إلى ذلك من الصفات لا يتصف بها إلا من يتغلب على اعدائه و أخصامه في المعارك و ساحات القتال، و الزهد في الدنيا لا يعني غير التغلب على ألد اعداء الإنسان كالشيطان أو الهوى أو الغرائز التي تتحكم فيه لتستوفي نصيبها من متع هذه الدنيا و ملذاتها لا سيما عند ما يكون في مقدوره ذلك، و لم يعرف التاريخ انسانا توفرت لديه أسباب السلطان و الثروة و كل مقومات الحياة الطيبة و كان منها جميعا في شقاء و حسرة دائمين كما حدث عن علي بن أبي طالب.
و هل عرف تاريخ البشرية حاكما قد حرم على نفسه أن يأكل خبزا يابسا و يشبع منه ما دام في بعض أطراف مملكته من لا عهد له بالشبع و لا طمع له بالقرص، و حرمها من لبس ثوب ناعم و في الدنيا انسان يتعسر عليه حتى ما خشن ورث من اللباس.
و هل عرف التاريخ حاكما يطحن لنفسه الشعير و يأكل منه خبزا يابسا يستعين على كسره بركبتيه و يرقع خفه بيديه و لا يكنز من الدنيا قليلا و لا كثيرا ما دام على وجه الأرض بطون غرثى و أكباد حرى. و ظل إلى أن انتقل عن هذه الدنيا يقول: أ أقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدهر و خشونة العيش، و كان أقل ما في هذه الدنيا شأنا خير عنده من الخلافة