سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٩٣ - علي
الوليد، و أمير المؤمنين يعلم منه ذلك كما يعلم بموقف الأمويين و بما سيؤول إليه أمر طلحة و الزبير و أكثر القرشيين، و قد وصف موقفهم منه بعد البيعة بقوله:
اللهم أني استعديك على قريش فإنهم قطعوا رحمي و أكفئوا انائي فنظرت فإذا ليس لي رافد و لا ذاب و لا ساعد إلا أهل بيتي، و قال مرة أخرى: ما لي و لقريش، و اللّه لقد قاتلتهم كافرين و لأقاتلنهم مفتونين، و اني لصاحبهم بالأمس كما أنا صاحبهم اليوم.
و مهما كان الحال فلما دعي سعد بن أبي وقاص إلى البيعة تمنع منها تضامنا مع الأمويين، و قال لعلي: ما عليك من بأس، فتركه أمير المؤمنين و لم يسمح للثائرين أن يستعملوا معه العنف، و لما دعي إليها عبد الله بن عمر بن الخطاب و امتنع منها طلب منه كفيلا بأن لا يشترك مع أحد في عمل ضده، و لما امتنع عن تقديم الكفيل تركه و قال للناس خلوه فأنا كفيله، ثم التفت إليه و قال:
اذهب فإني ما علمتك إلا سيئ الخلق صغيرا و كبيرا.
و لما تمت البيعة انصرف أمير المؤمنين منذ اليوم الأول يجند كل امكانياته لا صلاح ما افسدته بطانة عثمان في جميع شئون الدولة، تلك البطانة التي تركت جميع الأجهزة تنخر بالفساد و الانحلال، و كان يرى أن الواجب يدعوه لمعالجة الأهم فالأهم من المشاكل المستعجلة التي يتضجر منها الناس و تأتي في طليعتها مشكلة الولاة التي أثارت تلك الضجة على الخليفة الراحل و أودت بحياته، حتى إذا فرغ منها اتجه إلى غيرها من المشاكل التي يراها اكثر الحاحا و أعم نفعا، و لم يكن ذلك ليمنعه من أن يبسط للناس السياسة التي سينتهجها في عهده الجديد، و بعد أيام قلائل من خلافته وقف على المنبر ليعلن على الملأ المحتشد من حوله الغاء بعض الأنظمة التي اتبعها أسلافه خلال عشرين عاما أو تزيد، و كان على ثقة بأن عمر بن الخطاب حينما قسم الفيء حسب اقدار الناس و قدمهم في الاسلام قد استجاب لمصالحه و عواطفه اكثر مما استجاب لمبادئ الاسلام، و أن عثمان بن عفان حينما ترك أهله يعبثون به و يفسدون في الارض قد استجاب للعنصرية الجاهلية و للروح الأموية الحاقدة على الاسلام الذي لا يعطي أحدا على حساب أحد من الناس.