سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥١ - الصحابية الأولى خديجة بنت خويلد
الأطفال من الجوع و الحرمان و تحدت قريشا و غطرستها و عددها و عدتها.
و كان من المحكوم على تخطيط قريش أن يفشل كما فشلت في التدابير التي اتخذتها من قبل فدب الخلاف بين الذين تعاقدوا على الحصار و أرسل اللّه الأرضة لتأكل الصحيفة ما عدا لفظ الجلالة، و اتفق جماعة من وجوه المكيين على رفع الحصار و إفساح المجال للهاشميين ليرجعوا إلى بيوتهم، و عادت قريش تجر من ورائها الخزي و العار و الخذلان، و تعاظم أمر النبي (ص) و اتخذت دعوته طابعا جديدا بعد فشل محاولات قريش و خذلانها. و شاءت الأقدار و الدعوة في عامها العاشر أن يفقد النبي عمه أبا طالب أقوى أنصار الدعوة و أصلبهم عودا في وجه محاولات قريش و أتباعها، و بعده بأيام أو شهور حسب اختلاف الروايات فقد شريكته في الجهاد و البذل و التضحيات التي صدقته و آمنت به منذ أن قص عليها حديث الوحي، و بذلت في سبيله كل مالها و راحتها و ظلت تبذل و تعطيه مما تملك من إمكانياتها حتى النفس الأخير، فعز ذلك على النبي (ص) و تلفت إلى مكة فوجدها موحشة من عمه المحامي و الكفيل، و إلى داره فوجدها خالية موحشة من شريكته في البذل و العطاء و التضحيات.
و اشتدت قريش عليه في ذلك العام الذي سماه عام الأحزان، و ظنت قريش بأن الظلمات قد تكاثفت من حوله و أن آماله و أمانيه قد تحولت إلى يأس و خيبة، و لكن سرعان ما تبددت أمانيهم و خابت ظنونهم و بدا محمد (ص) و من معه من المسلمين أشد ثباتا و أكثر تصميما و أمضى عزيمة من ذي قبل يفتدون الدعوة بالمهج و الأرواح و يرون الاستشهاد في سبيلها مجدا و انتصارا.
لم يمت أبو طالب و خديجة إلا بعد أن مرت الدعوة بمراحل واسعة و تخطت مكة و جوارها إلى جميع أطراف الحجاز و إلى ما وراءها من البلاد المتاخمة لحدوده، و أصبحت حديث الناس في كل بقعة و مكان، و حملتها فئة من صحابته عبر البحار إلى الحبشة تاركين أهلهم و ديارهم ليعرضوا على الدنيا صورا من الإيمان و البطولات و التضحيات التي برزت في حياة محمد و صحبه الأكرمين ليجمع الناس كلهم على صعيد الإيمان بالواحد الأحد و المحبة و العمل لخير الناس أجمعين.