سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٠٤ - زهده في الدنيا
و طالما اقسم باللّه و هو الصادق الأمين و العامل بكل ما يقول قبل أن يقول، و ما كان ليقول شيئا قبل أن يعمل به، بل ينبع قوله: من طبيعة العمل الذي يعمل و الشعور الذي كان يحس و الحياة التي كان يحيا، و لطالما قال أقسم باللّه على ما يقول: و اللّه لو اعطيت الأقاليم السبعة بما تحت افلاكها على أن أعصي اللّه في نملة اسلبها جلب شعيرة ما فعلت، و أن دنياكم لأهون عندي من ورقة في فم جرادة.
و لو لم تكن دنيا الناس أهون عنده من ورقة في فم جرادة لانتظمت له الأمور و وجد الناس يتململون بين يديه و يتسابقون إلى طاعته و لا يجدون عنه بديلا. و قد أجمع الرواة على أن لباسه في أيام خلافته و قبلها لم يكن غير ثلاثة أثواب، قميص و أزرار و مدرعة من صوف، لا يزيد ثمنها على دينار واحد.
و قال اكثر من مرة: لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، و قال لي قائل: أ لا تنبذها؟ فقلت له: أغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السراح، و كان راقع المدرعة ولده الحسن (ع) يرقعها بجلد تارة و ليف أخرى، و قال له رجل يوما: بدل ثيابك هذه يا أمير المؤمنين، فقال له: و أي ثياب أستر منها للعورة، و مرة أخرى أجاب شخصا آخر قد طلب منه ذلك، فأجابه بأنها أبعد لي عن الكبر و أجدر أن يقتدي بي المسلمون.
و قال الغزالي في احياء العلوم: أن علي بن أبي طالب كان لا يأخذ شيئا من بيت المال حتى يبيع سيفه و لا يكون له إلا قميص واحد لا يجد غيره في وقت الغسل.
و قال مرة: من يشتري سيفي هذا فو الذي فلق الحبة و برأ النسمة لطالما كشفت به الكروب عن وجه رسول اللّه، فو اللّه لو كان عندي ثمن ازار ما بعته، و قال لأهل البصرة يوما: ما ذا تنقمون مني و هذا من غزل أهلي و أشار إلى قميصه.
و جاء عن الإمام محمد الباقر (ع) أن أمير المؤمنين ذهب مع قنبر إلى سوق البزازين و طلب من رجل يبيع الملابس أن يبيعه ثوبين فقال له: يا أمير