سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٩٠ - علي بعد البيعة
لم يكن جهاده في سبيل الإسلام بأقل أثرا من جهاده في عصره الاول و إن اختلف الشكل و المظهر، و مع ذلك فقد كان يتمنى و قد رأى الدعوة بدأت تشق طريقها لتدك عروش القياصرة و الأكاسرة و تحقق نبوءة ابن عمه الرسول الأمين يوم كان المسلمون يحفرون الخندق حول مدينتهم ليتقوا به من شر أبي سفيان و زمرته طغاة قريش و الأحزاب.
لقد سخروا منه يوم ذاك حين أخبرهم أن لضربته في الخندق بريقا سطع نوره و انتشر في الفضاء حتى بلغ قصور الرومان و الأكاسرة في بلاد فارس، و قالوا: بأن محمدا يعدنا بقصور الفرس و الرومان و نحن اليوم لا نأمن على نفوسنا أن نخرج لقضاء حاجتنا، و لكن المؤمنين بأن محمدا لا ينطق عن الهوى ظلت كلماته تلك ماثلة في أذهانهم و ظل فيها شبح ذلك البريق الذي سطع من ضربة محمد بن عبد الله في الخندق و انتشر في فضاء المدينة و ما حولها.
لقد كان علي (ع) يتمنى أن يكون و لو جنديا مع اولئك الغزاة إلى ما وراء الحدود و ما داموا يحملون إلى تلك البلاد رسالة محمد (ص) التي كان يفنى في سبيلها و لا يفكر بغيرها، و لا يضره إذا تحققت اهدافه أن يكون أميرا أو مأمورا، و إذا طالب بالخلافة بالأمس فذاك ليتسع الإسلام و ينتشر في انحاء المعمورة، و طالما كان يرمي بنظراته تلك الجموع المدججة بالسلاح تودع المدينة في طريقها لخارج الحجاز و يتمنى لو يتاح له أن يكون معهم حيث يريدون و لكن ذلك كان محظورا عليه و على غيره من كبار الصحابة فيعود طاويا قلبه على هم جديد فوق ما طواه عليه من هموم و أحزان.
لقد اتخذ أبو بكر قرارا بأن لا يخرج من المدينة علي (ع) و غيره من كبار الصحابة ممن يطمحون لمعالي الأمور و للاستيلاء على السلطة و فرض عليهم الاقامة بها حتى لا تتسع صلاتهم بالناس، فوقف هو و غيره حيث أراد لهم الخليفة لا يبرحون منها إلا بإذن و لأجل محدود، و أوصى خليفته بذلك من بعده.
و جاء في وصيته كما يدعي الرواة أحذر هؤلاء النفر من اصحاب رسول