سيرة الأئمة الاثني عشر(ع) - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٣٧٠ - ما أفرزته الشورى
و لما وصله كتاب الخليفة أمره ابن عامر بالذهاب إلى المدينة فشد الرحال إليها و بعد أن وصلها دخل على عثمان و هو يخطب الناس في مسجد رسول اللّه (ص) فالتفت إلى الناس و قال: لقد قدمت عليكم دابة سوء، و تكلم مع ابن مسعود و هو على المنبر بكلام اغلظ له فيه، ثم أشار إلى غلمانه أن يجلدوه و يجروه برجله إلى خارج المسجد ففعلوا ذلك و كسروا ضلعا من أضلاعه، و اتبع هذه العقوبة بقطع العطاء عنه، فأنكر المسلمون منه هذا التصرف الجائر مع صحابي من أجلاء الصحابة، و حتى عائشة أغضبها ذلك و أطلقت لسانها في عثمان و زمرته.
و مضى ابن مسعود إلى بيته يكابد الآلام و المتاعب التي ألمت بجسمه النحيل الذي أنهكته الشيخوخة و حطمته سياط العبيد و لكماتهم و الكسور التي أصابت أضلاعه، و ظل يعاني من ذلك حتى اعتل و أنهكه المرض و انقطع الأمل من ذويه بشفائه فخف عثمان لعيادته، و جعل يعاتبه و يقول: لقد بلغني عنك كلام كثير، فرد عليه ابن مسعود بصوته الضعيف: لقد أمرت غلمانك و عبيدك ففعلوا بي ما فعلوا و كسروا أضلاعي حتى لم أعد أفرق بين صلاة الظهر و صلاة العصر و لا أعقل مواعيدها، و انتهى حالي إلى ما ترى.
فقال له و كأنه يريد أن يواسيه و يكفر عن سوء عمله: ما تشتكي يا أبا عبد الرحمن، فرد عليه بصوت هادئ و حرف وجهه عنه: لا اشتكي غير ذنوبي و لا اشتهي غير رحمة ربي، فقال له عثمان: أ لا أدعو لك طبيبا، فقال:
الطبيب أمرضني، و مضى يحاول معه أن يتدارك ما سبق منه، فقال له إني أقيدك من نفسي، فافعل بي مثل ما فعلته بك، فقال: اترك ذلك لمن هو أشد نقمة و أعظم نكالا، و ما كنت بالذي افتح باب القصاص على الخلفاء، ثم قال له عثمان: أ فلا آمر لك بعطائك؟ فرد عليه: لقد منعتنيه يوم كنت محتاجا إليه، و تعطينيه اليوم و أنا مستغن عنه لا حاجة لي فيه، فقال له: يكون لولدك من بعدك، فأجابه بلغة الواثق المطمئن بما وعد اللّه عباده الصابرين المظلومين، إن الذي خلق أولادي سيرزقهم و يغنيهم عنك و عن غيرك، و عاد عثمان يسأله أن يكون في حل مما أصاب منه، فأبى عليه ذلك و سأل اللّه أن يأخذ له بحقه