تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٩٥ - الفصل الثالث في أن جميع المعارف الربوبية و المسائل المعتبرة في علم التوحيد ينشعب من هذين الأصلين
في كل شيء عشقا جبليّا لما هو كامل منها لكماله- لينحفظ به كماله- و شوقا غريزيّا لما هو ناقص منها إلى كماله ليتحرّك نحو كماله الممكن في حقّه و يجبر بها نقصه، و لهذا قيل: «لو لا عشق العالي لا نطمس السافل».
و «جوده» تعالى عبارة عن إعطائه لكل شيء ما يليق به من غير غرض و لا عوض، سواء كان عينا أو ثناء أو صيتا أو فرحا، و بالجملة «الجواد الحقيقي» من لا يكون إعطائه شيئا لأجل أولويّة حاصلة من العطاء عائدة إلى ذاته، و إلا لم يكن إعطائه جودا محضا، بل معاملة و استفاضة، فلم يكن تامّا في ذاته، لأنه عادم كمال يجبر بذلك الإعطاء نقصانه، و كلّما كان كذلك لم يكن قيّوما بذاته، و إلا لم يقتصر في تحصيل كماله إلى وسط، فحيث يكون كمال بلا نقص، و تمام بلا قصور، و فعل بلا قوة كان فعله منبعثا عن ذاته بذاته، و كرمه ناشيا عن حاقّ حقيقته غير معلّل لغيره و لا مستند إلى ما سواه، فيكون فعله جودا حقيقيا.
و إذا ثبت أنه جواد حقيقي لم يكن في ذاته و لا في فعله مفتقرا إلى غيره، فيكون غنيّا من جميع الوجوه، و كلّ ما سواه لإمكانه مفتقرا إليه، كما في قوله تعالى: وَ اللَّهُ الْغَنِيُّ وَ أَنْتُمُ الْفُقَراءُ [٤٧/ ٣٨].
و منها أنه لمّا كان قيّوما كان مالكا و ملكا للموجودات الممكنة، و يكون العوالم كلّها ملكه و ملكه لقوله تعالى: «لَهُ الْمُلْكُ» [٦/ ٧٣] و لقوله: «وَ لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ» [٣/ ١٨٩] و ذلك لأن القيّوم- بمعنى المقوّم لما سواه ذاتا و وجودا- يلزمه أن يكون له وجودات الأشياء و ذواتها، لأن المعلول- بما هو معلول- إنّما وجوده لعلّته الموجبة له- و قد حقّقنا ذلك بما لا مزيد عليه في موضعه [١]- و «المالك للشيء» ما له ارتباط ما إليه، و «الملك للشيء»
[١] راجع الاسفار الاربعة: ج ٢ الفصل ٢٥ و ٢٦ من المرحلة الخامسة.