الارشاد و التطريز - اليافعي، عبدالله بن اسعد - الصفحة ٦٢ - الباب الثاني في شيء من الوعظ و مدح الصالحين و رياضاتهم و أقوالهم و معاملاتهم و فضائلهم و كراماتهم
إن تحمل عليه يلهث، أو تتركه يلهث اللذين هما أخسّ الحيوانات، بل هما أحسن حالا منه، إذ لا عقاب عليهما و لا تبعات.
و لو لا الإخلاد إلى أرض الشهوات، و اتّباع الهوى، و الركون إلى الدنيا، لرفعه العلم إلى المقام العالي الشريف، النّفيس الغالي، مقام العلماء ورثة الأنبياء، أولي الألباب، استبدل به مقام الحمير و الكلاب، و هو يظنّ أنّه ذو الشّرف و الفضائل، و أنّ له عند اللّه تعالى الحظّ الطائل، ينافس على جيف الدّنيا و حطامها، و يغدو و يروح إلى أبواب الظّلمة لجمع حرامها، و يجتهد في التودّد و التقرّب إلى أعداء اللّه، حريصا على نيل المنزلة عندهم و الجاه، يلتمس رضاهم في سخط اللّه، كأنّه لم يسمع قول الملك الجبار: وَ لا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ [هود: ١١٣].
و قوله تعالى و هو أصدق القائلين: تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ [القصص: ٨٣].
و قوله سبحانه لنبيّه الكريم، الذي أنارت به الدّياجي غربا و شرقا: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى [طه: ١٣١].
و قول سيّد المرسلين: «اللّهمّ، أحيني مسكينا، و أمتني مسكينا، و احشرني في زمرة المساكين»[١].
و لم يدر أنّه كما قال بعض العارفين: من تزيّن بشيء من الدنيا فقد أظهر خساسة.
و قال العلماء: الخسيس من باع دينه بدنياه، و أخسّ منه من باع دينه بدنيا غيره.
قلت[٢]: فإن قال الفقيه: التزيّن بالمباح مباح، فالجواب ما ذكره الإمام أبو حامد الغزالي[٣] حيث قال[٤]: التزيّن بالمباح ليس بحرام، و لكنّ الخوض فيه يوجب الأنس به حتّى
[١] -رواه الترمذي( ٢٣٥٢) في الزهد، باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم، و ابن ماجة( ٤١٢٦) في الزهد، باب مجالسة الفقراء.
[٢] -في( ج): مسألة.
[٣] -محمد بن محمد أبو حامد الغزالي الطوسي( ٤٥٠- ٥٠٥) حجة الإسلام، فيلسوف متصوف، رحل إلى بغداد و الحجاز و الشام و مصر، ولد و مات في الطابران، قصبة الطوس بخراسان، له أكثر من مائتي كتاب.
[٤] -إحياء علوم الدين ١/ ٦٧.