شرح حكم نهج البلاغة - القمي، الشيخ عباس - الصفحة ٨٦ - ٣١٢٨ *٣٠٩٩* ٩٩
الخريف في الأبدان، و توليده الأمراض كالزكام و السعال و غيرهما أكثر من تأثير الربيع، مع أنّهما جميعا فصلا اعتدال، و أجابوا بأنّ برد الخريف يفجأ الإنسان و هو معتاد للحرّ بالصيف فينكأ فيه، و يسدّ مسامّ دماغه، لأنّ البرد يكثف و يسدّ المسامّ فيكون كمن دخل من موضع شديد الحرارة إلى خيش [١] بارد.
فأمّا المنتقل من الشتاء إلى فصل الربيع فإنّه لا يكاد برد الربيع يؤذيه ذلك الأذى، لأنّه قد اعتاد جسمه برد الشتاء، فلا يصادف من برد الربيع إلاّ ما قد اعتاد ما هو أكثر منه، فلا يظهر لبرد الربيع تأثير في مزاجه، على أنّ الصيف و الخريف يشتركان في اليبس فإذا ورد البرد حينئذ ورد على أبدان استعدّت بحرارة الصيف و يبسه للتخلخل و تفتّح المسامّ و الجفاف، فاشتدّ انفعال البدن عنه، و أسرع تأثيره في قهر الحرارة الغريزيّة، فيقوى بذلك في البدن قوّتا البرد و اليبس اللّتان هما طبيعة الموت، فيكون بذلك يبس الأشجار و احتراق أوراقها، و ضمور الأبدان و ضعفها.
فأمّا لم أورقت الأشجار و أزهرت في الربيع دون الخريف؟فلما في الربيع من الكيفيّتين اللّتين هما منبع النموّ و النفس النباتيّة، و هما الحرارة
[١] الخيش: قيل: هو بيت يتّخذ من أغصان الخلاف بورقها، و يرشّ عليه الماء ليضربه الهواء فيبرد، يتّخذ للجلوس فيه بالصيف. كذا قيل. منه (ره)