تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٦١٥ - نزول قبائل العرب الحيرة و الأنبار ايام ملوك الطوائف
عنهم، و ضم عديا الى نفسه، و ولاه شرابه، فابصرته رقاش ابنه مالك اخت جذيمة، فعشقته و راسلته، و قالت: يا عدى، اخطبنى الى الملك، فان لك حسبا و موضعا، فقال: لا اجترئ على كلامه في ذلك، و لا اطمع ان يزوجنيك، قالت: إذا جلس على شرابه، و حضره ندماؤه، فاسقه صرفا، و اسق القوم مزاجا، فإذا أخذت الخمرة فيه، فاخطبنى اليه، فانه لن يردك، و لن يمتنع منك، فإذا زوجك فاشهد القوم، ففعل الفتى ما امرته به، فلما أخذت الخمرة ماخذها خطبها اليه، فاملكه إياها، فانصرف إليها، فاعرس بها من ليلته، و اصبح مضرجا بالخلوق، فقال له جذيمة- و انكر ما راى به: ما هذه الآثار يا عدى؟ قال: آثار العرس، قال اى عرس! قال: عرس رقاش! قال: من زوجكها ويحك! قال:
زوجنيها الملك، فضرب جذيمة بيده على جبهته، و أكب على الارض ندامه و تلهفا، و خرج عدى على وجهه هاربا، فلم ير له اثر، و لم يسمع له بذكر، و ارسل إليها جذيمة، فقال:
حدثيني و أنت لا تكذبيني* * * ا بحر زنيت أم بهجين!
أم بعبد فأنت اهل لعبد* * * أم بدون فأنت اهل لدون
فقالت: لا بل أنت زوجتني امرا عربيا، معروقا حسيبا، و لم تستامرنى في نفسي، و لم أكن مالكه لأمري، فكف عنها، و عرف عذرها.
و رجع عدى بن نصر الى اياد، فكان فيهم، فخرج ذات يوم مع فتية متصيدين، فرمى به فتى منهم من لهب فيما بين جبلين، فتنكس فمات، و اشتملت رقاش على حبل، فولدت غلاما، فسمته عمرا و رشحته، حتى إذا ترعرع عطرته و البسته و حلته، و ازارته خاله جذيمة، فلما رآه اعجب به، و القيت عليه منه مقه و محبه، فكان يختلف مع ولده، و يكون معهم.
فخرج جذيمة متبديا باهله و ولده في سنه خصبه مكلئه، فضربت له ابنيه في روضه ذات زهره و غدر، و خرج ولده و عمرو معهم يجتنون الكماة،