تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٨٩ - ذكر نسب موسى بن عمران و اخباره
حزنت من شانه، فاوحى الله إليها: «أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِ و هو النيل، وَ لا تَخافِي وَ لا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ» فلما وضعته ارضعته، ثم دعت له نجارا فجعل له تابوتا، و جعل مفتاح التابوت من داخل، و جعلته فيه و القته في اليم، «وَ قالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ» تعنى قصى اثره «فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَ هُمْ لا يَشْعُرُونَ»، انها اخته فاقبل الموج بالتابوت يرفعه مره، و يخفضه اخرى، حتى ادخله بين اشجار عند بيت فرعون، فخرج جواري آسيه امراه فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت فادخلنه الى آسيه، و ظننن ان فيه مالا، فلما نظرت اليه آسيه وقعت عليه رحمتها و احبته فلما اخبرت به فرعون اراد ان يذبحه، فلم تزل آسيه تكلمه حتى تركه لها، قال: انى اخاف ان يكون هذا من بنى إسرائيل، و ان يكون هذا الذى على يديه هلاكنا، فذلك قول الله تعالى: «فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَ حَزَناً» فأرادوا له المرضعات، فلم يأخذ من احد من النساء، و جعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، فأبى ان يأخذ، فذلك قول الله: «وَ حَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ» اخته «هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَ هُمْ لَهُ ناصِحُونَ»، فأخذوها، و قالوا: انك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على اهله فقالت:
ما اعرفه، و لكنى انما قلت: هم للملك ناصحون.
و لما جاءت أمه أخذ منها ثديها فكادت ان تقول: هو ابنى! فعصمها