تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٢٠ - ذكر الاحداث التي كانت بين نوح و ابراهيم خليل الرحمن ع
وفد عاد على معاويه بن بكر أقاموا عنده شهرا يشربون الخمر، و تغنيهم الجرادتان- قينتان لمعاوية بن بكر- و كان مسيرهم شهرا، و مقامهم شهرا، فلما راى معاويه بن بكر طول مقامهم، و قد بعثهم قومهم يتغوثون بهم من البلاء الذى أصابهم، شق ذلك عليه فقال: هلك اخوالى و اصهارى و هؤلاء مقيمون عندي، و هم ضيفي نازلون على، و الله ما ادرى: كيف اصنع بهم! استحى ان آمرهم بالخروج الى ما بعثوا اليه، فيظنوا انه ضيق منى بمقامهم عندي، و قد هلك من وراءهم من قومهم جهدا و عطشا، او كما قال.
فشكا ذلك من امرهم الى قينتيه الجرادتين، فقالتا: قل شعرا نغنيهم به لا يدرون من قاله، لعل ذلك ان يحركهم! فقال معاويه بن بكر حين اشارتا عليه بذلك:
الا يا قيل، ويحك قم فهينم* * * لعل الله يسقينا غماما
فيسقى ارض عاد، ان عادا* * * قد امسوا لا يبينون الكلاما
من العطش الشديد، فليس نرجو* * * به الشيخ الكبير و لا الغلاما
و قد كانت نساؤهم بخير* * * فقد امست نساؤهم عيامى
و ان الوحش تأتيهم جهارا* * * و لا تخشى لعادى سهاما
و أنتم هاهنا فيما اشتهيتم* * * نهاركم و ليلكم التماما
فقبح وفدكم من وفد قوم* * * و لا لقوا التحيه و السلاما!
فلما قال معاويه ذلك الشعر، غنتهم به الجرادتان. فلما سمع القوم ما غنتا به، قال بعضهم لبعض: يا قوم انما بعثكم قومكم يتغوثون بكم من هذا البلاء الذى نزل بهم، و قد أبطأتم عليهم، فادخلوا هذا الحرم فاستسقوا لقومكم، فقال مرثد بن سعد بن عفير: انكم و الله لا تسقون بدعائكم، و لكن ان أطعتم