تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٤١ - ذكر خبر لهراسب و ابنه بشتاسب و غزو بختنصر بنى إسرائيل و تخريبه بيت المقدس
كان محمودا في اهل مملكته، شديد القمع للملوك المحيطة بايران شهر، شديد التفقد لأصحابه، بعيد الهمه كثير الفكر في تشييد البنيان، و شق الانهار، و عماره البلاد، فكانت ملوك الروم و المغرب و الهند و غيرهم يحملون اليه في كل سنه وظيفه معروفه و اتاوه معلومه، و يكاتبونه بالتعظيم و يقرون له انه ملك الملوك هيبة له و حذرا.
قال: و يقال: ان بختنصر حمل اليه من اوريشلم خزائن و اموالا، فلما احس بالضعف من قوته ملك ابنه بشتاسب، و اعتزل الملك و فوضه اليه، و كان ملك لهراسب- فيما ذكر- مائه سنه و عشرين سنه.
و زعم ان بختنصر هذا الذى غزا بنى إسرائيل اسمه بخترشه، و انه رجل من العجم، من ولد جوذرز، و انه عاش دهرا طويلا جاوزت مدته ثلاثمائة سنه، و انه كان في خدمه لهراسب الملك، ابى بشتاسب، و ان لهراسب وجهه الى الشام و بيت المقدس ليجلى عنها اليهود فسار إليها ثم انصرف، و انه لم يزل من بعد لهراسب في خدمه ابنه بشتاسب، ثم في خدمه بهمن من بعده، و ان بهمن كان مقيما بمدينه بلخ- و هي التي كانت تسمى الحسناء- و انه امر بخترشه بالتوجه الى بيت المقدس ليجلى اليهود عنها، و ان السبب في ذلك وثوب صاحب بيت المقدس على رسل كان بهمن وجههم اليه، و قتله بعضهم فلما ورد الخبر على بهمن دعا بخترشه فملكه على بابل، و امره بالمسير إليها، و النفوذ منها الى الشام و بيت المقدس، و القصد الى اليهود حتى يقتل مقاتلتهم، و يسبى ذراريهم، و بسط يده فيمن يختار من الاشراف و القواد، فاختار من اهل بيت المملكة داريوش بن مهري، من ولد ماذي بن يافث بن نوح، و كان ابن اخت بخترشه و اختار كيرش كيكوان من ولد غيلم بن سام،