تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٨٣ - ذكر الاحداث التي كانت في عهد نوح
و استنصره عليهم اوحى الله اليه ان «اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَ وَحْيِنا وَ لا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ» فاقبل نوح على عمل الفلك، و لها عن قومه، و جعل يقطع الخشب و يضرب الحديد،، و يهيئ عده الفلك من القار و غيره مما لا يصلحه الا هو، و جعل قومه يمرون به، و هو في ذلك من عمله، فيسخرون منه، و يستهزئون به فيقول: «إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَ يَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ» قال: و يقولون- فيما بلغنى-: يا نوح قد صرت نجارا بعد النبوه! قال: و اعقم الله ارحام النساء فلا يولد لهم.
قال: و يزعم اهل التوراة ان الله عز و جل امره ان يصنع الفلك من خشب الساج، و ان يصنعه ازور، و ان يطليه بالقار من داخله و خارجه، و ان يجعل طوله ثمانين ذراعا و عرضه خمسين ذراعا، و طوله في السماء ثلاثين ذراعا، و ان يجعله ثلاثة اطباق: سفلا و وسطا و علوا، و ان يجعل فيه كوا ففعل نوح كما امره الله عز و جل، حتى إذا فرغ منه و قد عهد الله اليه: «إِذا جاءَ أَمْرُنا وَ فارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَ أَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَ مَنْ آمَنَ وَ ما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» و قد جعل التنور آيه فيما بينه و بينه، فقال: إذا جاء امرنا و فار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين و اركب فلما فار التنور حمل نوح في الفلك من امره الله تعالى به- و كانوا قليلا كما قال- و حمل فيها من كل زوجين اثنين مما فيه الروح و الشجر، ذكرا و أنثى فحمل فيه بنيه الثلاثة: سام و حام و يافث و نساءهم، و سته اناس ممن كان آمن به فكانوا عشره نفر: نوح و بنوه و أزواجهم، ثم ادخل ما امره الله به من الدواب، و تخلف عنه ابنه يام، و كان كافرا