تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٨ - القول فيما خلق الله في كل يوم من الأيام السته التي ذكر الله في كتابه انه خلق فيهن السموات و الارض و ما بينهما
كايام اهل الدنيا التي يتعارفونها بينهم، و انما قال الله عز و جل في كتابه:
«الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ*»، فلم يعلمنا ان ذلك كما ذكرت، بل أخبرنا انه خلق ذلك في سته ايام، و الأيام المعروفه عند المخاطبين بهذه المخاطبه هي ايامهم التي أول اليوم منها طلوع الفجر الى غروب الشمس، و من قولك: ان خطاب الله عباده بما خاطبهم به في تنزيله انما هو موجه الى الأشهر و الاغلب عليه من معانيه، و قد وجهت خبر الله في كتابه عن خلقه السموات و الارض و ما بينهما في سته ايام الى غير المعروف من معاني الأيام، و امر الله عز و جل إذا اراد شيئا ان يكونه انفذ و امضى من ان يوصف بانه خلق السموات و الارض و ما بينهما في سته ايام، مقدارهن سته آلاف عام من اعوام الدنيا، و انما امره إذا اراد شيئا ان يقول له: كن فيكون، و ذلك كما قال ربنا تبارك و تعالى: «وَ ما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ»؟
قيل له: قد قلنا فيما تقدم من كتابنا هذا انا انما نعتمد في معظم ما نرسمه في كتابنا هذا على الآثار و الاخبار عن نبينا(ص)و عن السلف الصالحين قبلنا دون الاستخراج بالعقول و الفكر، إذ اكثره خبر عما مضى من الأمور، و عما هو كائن من الاحداث، و ذلك غير مدرك علمه بالاستنباط الاستخراج بالعقول:
فان قال: فهل من حجه على صحه ذلك من جهة الخبر؟
قيل: ذلك ما لا نعلم قائلا من ائمه الدين قال خلافه.
فان قال: فهل من روايه عن احد منهم بذلك؟
قيل: علم ذلك عند اهل العلم من السلف كان اشهر من ان يحتاج فيه الى روايه منسوبة الى شخص منهم بعينه، و قد روى ذلك عن جماعه منهم مسمين بأعيانهم