تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢٥ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
الرفيقه و الغضب الشديد، اسالك الا تذكرنا بخطايانا فيما بيننا و بينك، و لا تعمدنا و لا تجزينا على معصيتك، و لكن تذكرنا برحمتك التي جعلتها للخلائق، فانظر الى ضعفنا و قوه عدونا، و انظر الى قلتنا و كثره عدونا، و انظر الى ما نحن فيه من الضيق و الغم، و انظر الى ما فيه عدونا من الفرح و الراحة، فغرق زرحا و جنوده في اليم بالقدره التي غرقت بها فرعون و جنوده، و انجيت موسى و قومه و اسالك ان تحل على زرح و قومه عذابك بغته! فأرى اسا في المنام- و الله اعلم- انى قد سمعت كلامك، و وصل الى جوارك، و انى على عرشي، و انى ان غرقت زرحا الهندي و قومه، لم يعلم بنو إسرائيل و لا من كان بحضرتهم كيف صنعت بهم، و لكن ساظهر في زرح و قومه لك و لمن اتبعك قدره من قدرتي، حتى اكفيك مؤنتهم، و أهب لك غنيمتهم، و أضع في ايديكم عساكرهم، حتى يعلم اعداؤك ان صديق اسا لا يطاق وليه، و لا يهزم جنده، و لا يخيب مطيعه، فانا اتمهل له حتى يفرغ من حاجته، ثم اسوقه إليك عبدا، و عساكره لك و لقومك خولا.
فسار زرح و من معه حتى حلوا على ساحل ترشيش، فلم يكن الا محله يوم حتى دفنوا أنهارها، و محوا مروجها، حتى كان الطير ينقصف عليهم، و الوحش لا تستطيع الهرب منهم، فساروا حتى كانوا على مرحلتين من إيلياء، ففرق زرح عساكره منها الى إيلياء، و امتلأت منهم تلك الارض: جبالها و سهولها، و امتلأت قلوب اهل الشام منهم رعبا، و عاينوا هلكتهم.
فسمع بهم اسا الملك، فبعث اليهم طليعه من قومه، و امرهم ان يخبروه بعددهم و هيئتهم فسار القوم الذين بعثهم اسا حتى نظروا اليهم من راس تل، ثم رجعوا الى اسا فاخبروه انه لم تر عيون بنى آدم، و لا سمعت آذانهم مثلهم و مثل افيالهم و خيولهم و فرسانهم، و ما ظننا ان في الناس مثلهم كثره و عده، فلت من احصائهم عقولنا، و فلت من قتالهم حيلتنا، و انقطع فيما بيننا و بينهم رجاؤنا