تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٣٨١ - منوشهر و أسبابه و الحوادث الكائنة في زمانه
الأساورة، فدعاهم و ادخل الرؤساء من الناس، و دعا موبذ موبذان، فاقعد على كرسي مقابل سريره، ثم قام على سريره، و قام اشراف اهل بيت المملكة و اشراف الأساورة على ارجلهم، فقال: اجلسوا فانى انما قمت لاسمعكم كلامي فجلسوا فقال: ايها الناس، انما الخلق للخالق، و الشكر للمنعم، و التسليم للقادر، و لا بد مما هو كائن، و انه لا اضعف من مخلوق طالبا كان او مطلوبا، و لا اقوى من خالق، و لا اقدر ممن طلبته في يده، و لا اعجز ممن هو في يد طالبه، و ان التفكر نور، و الغفله ظلمه، و الجهاله ضلاله، و قد ورد الاول و لا بد للآخر من اللحاق بالأول، و قد مضت قبلنا اصول نحن فروعها، فما بقاء فرع بعد ذهاب اصله! و ان الله عز و جل أعطانا هذا الملك فله الحمد، و نسأله الهام الرشد و الصدق و اليقين، و ان للملك على اهل مملكته حقا، و لأهل مملكته عليه حقا، فحق الملك على اهل المملكة ان يطيعوه و يناصحوه و يقاتلوا عدوه، و حقهم على الملك ان يعطيهم أرزاقهم في أوقاتها، إذ لا معتمد لهم على غيرها، و انها تجارتهم و حق الرعية على الملك ان ينظر لهم، و يرفق بهم، و لا يحملهم على ما لا يطيقون، و ان أصابتهم مصيبه تنقص من ثمارهم من آفه من السماء او الارض ان يسقط عنهم خراج ما نقص، و ان اجتاحتهم مصيبه ان يعوضهم ما يقويهم على عماراتهم، ثم يأخذ منهم بعد ذلك على قدر ما لا يجحف بهم في سنه او سنتين، و امر الجند للملك بمنزله جناحي الطائر، فهم اجنحه الملك متى قص من الجناح ريشه كان ذلك نقصانا منه، فكذلك الملك انما هو بجناحه و ريشه الا و ان الملك ينبغى ان يكون فيه ثلاث خصال: أولها ان يكون صدوقا لا يكذب، و ان يكون سخيا لا يبخل، و ان يملك نفسه عند الغضب، فانه مسلط و يده مبسوطه، و الخراج يأتيه، فينبغي الا يستأثر عن جنده و رعيته بما هم اهل له، و ان يكثر العفو، فانه لا ملك ابقى من ملك فيه العفو، و لا اهلك من ملك فيه العقوبة الا