تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ١٨٥ - ذكر الاحداث التي كانت في عهد نوح
من الامطار إذا كانت، فظن ان ذلك كما كان يكون، قال نوح: «لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَ حالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ».
و كثر الماء و طغى، و ارتفع فوق الجبال- كما يزعم اهل التوراة- خمسه عشر ذراعا، فباد ما على وجه الارض من الخلق، من كل شيء فيه الروح او شجر، فلم يبق شيء من الخلائق الا نوح و من معه في الفلك، و الا عوج بن عنق- فيما يزعم اهل الكتاب- فكان بين ان ارسل الله الطوفان و بين ان غاض الماء سته اشهر و عشر ليال.
حدثنى الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرني هشام، قال:
أخبرني ابى، عن ابى صالح، عن ابن عباس، قال: ارسل الله المطر اربعين يوما و اربعين ليله، فاقبلت الوحوش حين أصابها المطر و الدواب و الطير كلها الى نوح، و سخرت له، فحمل منها كما امره الله عز و جل: «مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ»، و حمل معه جسد آدم، فجعله حاجزا بين النساء و الرجال، فركبوا فيها لعشر ليال مضين من رجب، و خرجوا منها يوم عاشوراء من المحرم، فلذلك صام من صام يوم عاشوراء و اخرج الماء نصفين، فذلك قول الله عز و جل «فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ»، يقول: منصب، «وَ فَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً»، يقول: شققنا الارض، «فَالْتَقَى الْماءُ عَلى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ» فصار الماء نصفين: نصف من السماء و نصف من الارض، و ارتفع الماء على اطول جبل في الارض خمسه عشر ذراعا، فسارت بهم السفينة، فطافت بهم الارض كلها في سته اشهر لا تستقر على شيء، حتى أتت الحرم فلم تدخله، و دارت بالحرم أسبوعا، و رفع البيت الذى بناه آدم ع، رفع من الغرق،- و هو البيت المعمور و الحجر الأسود- على ابى قبيس، فلما دارت بالحرم ذهبت في الارض تسير بهم، حتى انتهت الى الجودي- و هو جبل بالحضيض من