تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٢٨ - القول في الإبانة عن فناء الزمان و الليل و النهار و ان لا شيء يبقى غير الله تعالى ذكره
القول في الدلالة على ان الله عز و جل القديم الاول قبل شيء و انه هو المحدث كل شيء بقدرته تعالى ذكره فمن الدلالة على ذلك انه لا شيء في العالم مشاهد الا جسم او قائم بجسم، و انه لا جسم الا مفترق او مجتمع، و انه لا مفترق منه الا و هو موهوم فيه الائتلاف الى غيره من اشكاله، و لا مجتمع منه الا و هو موهوم فيه الافتراق، و انه متى عدم أحدهما عدم الآخر معه، و انه إذا اجتمع الجزءان منه بعد الافتراق، فمعلوم ان اجتماعهما حادث فيهما بعد ان لم يكن، و ان الافتراق إذا حدث فيهما بعد الاجتماع، فمعلوم ان الافتراق فيهما حادث بعد ان لم يكن.
و إذا كان الأمر فيما في العالم من شيء كذلك، و كان حكم ما لم يشاهد و ما هو من جنس ما شاهدنا في معنى جسم او قائم بجسم، و كان ما لم يخل من الحدث لا شك انه محدث بتاليف مؤلف له ان كان مجتمعا، و تفريق مفرق له ان كان مفترقا و كان معلوما بذلك ان جامع ذلك ان كان مجتمعا، و مفرقه ان كان مفترقا من لا يشبهه، و من لا يجوز عليه الاجتماع و الافتراق، و هو الواحد القادر الجامع بين المختلفات، الذى لا يشبهه شيء، و هو على كل شيء قدير- فبين بما وصفنا ان بارئ الأشياء و محدثها كان قبل كل شيء، و ان الليل و النهار و الزمان و الساعات محدثات، و ان محدثها الذى يدبرها و يصرفها قبلها، إذ كان من المحال ان يكون شيء يحدث شيئا الا و محدثه قبله، و ان في قوله تعالى ذكره:
«أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ»، لابلغ الحجج،