تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥١٩ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
لك شديدا، سفهت بذلك راى العلماء، و خالفت الحكماء، و اتبعت راى السفهاء و لعمري ما حملك على ذلك يا بنى الا كثره طيشك، و حداثة سنك، و قله علمك، فان أنت رددت على كلامي، و لم تعرف حقي، فلست من نسل والدك، و لا ينبغى الملك لمثلك يا بنى باى شيء تدل على قومك؟
لعلك أوتيت من الحروف مثل ما اتى موسى الى فرعون، ان غرقه و انجى قومه من الظلمه او لعلك أوتيت من القوه ما اوتى داود، ان قتل الأسد لقومه، و لحق الذئب فشق شدقه، و قتل جالوت الجبار وحده او لعلك أوتيت من الملك و الحكمه افضل مما اوتى سليمان بن داود راس الحكماء، إذ صارت حكمته مثلا للباقين بعده! يا بنى انه ما يأتك من حسنه فانا احظى الناس بها، و ان تكن الاخرى فانا أشقاهم بشقوتك.
فلما سمعها الملك اشتد غضبه، و ضاق صدره، فقال لها: يا أمه! انه لا ينبغى ان آكل على مائدة واحده مع حبيبى و عدوى، كذلك لا ينبغى ان اعبد غير ربى هلمي الى امر ان أطعتني فيه رشدت، و ان تركته غويت، ان تعبدي الله و تكفرى بكل آلهه دونه، فانه ليس احد يرد هذا على الا هو لله عدو، و انا ناصره لانى عبده.
قالت له: ما كنت لافارق أصنامي، و لا دين آبائى و قومى و لا اترك ذلك لقولك، و لا اعبد الرب الذى تدعوني اليه.
فقال لها الملك: حينئذ يا أمه، ان قولك هذا قد قطع فيما بيني و بينك رحمي.
و امر بها الملك عند ذلك فأخرجوها و غربوها، ثم اوصى الى صاحب شرطته و بابه ان يقتلها ان هي المت بمكانه.
فلما سمع ذلك منه الاسباط الذين كانوا حوله وقعت في قلوبهم المهابه،