تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥٢٦ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
فسمع بذلك اهل القرية فشقوا ثيابهم، و ذروا التراب على رءوسهم، و عجوا بالعويل في ازقتهم و أسواقهم، و جعل بعضهم يودع بعضا ثم ساروا حتى أتوا الملك فقالوا: نحن خارجون بأجمعنا الى هؤلاء القوم فدافعون اليهم أيدينا، لعلهم ان يرحمونا فيقرونا في بلادنا قال لهم اسا الملك: معاذ الله ان نلقى بأيدينا في أيدي الكفره، و ان نخلى بيت الله و كتابه للفجره! قالوا: فاحتل لنا حيله، و اطلب الى صديقك و ربك الذى كنت تعدنا بنصره، و تدعونا الى الايمان به، فان هو كشف عنا هذا البلاء، و الا وضعنا أيدينا في أيدي عدونا لعلنا نتخلص بذلك من القتل.
قال لهم اسا: ان ربى لا يطاق الا بالتضرع و التبتل و الاستكانة قالوا: فابرز له لعله ان يجيبك فيرحم ضعفنا، فان الصديق لا يسلم صديقه على مثل هذا فدخل اسا لمصلى، و وضع تاجه من راسه، و خلى ثيابه، و لبس المسوح و افترش الرماد، ثم مد يده يدعو ربه بقلب حزين، و تضرع كثير، و دموع سجال، و هو يقول: اللهم رب السموات السبع و رب العرش العظيم، اله ابراهيم و اسماعيل و إسحاق و يعقوب و الاسباط، أنت المستخفى من خلقك حيث شئت، لا يدرك قرارك، و لا يطاق كنه عظمتك، أنت اليقظان الذى لا تنام، و الجديد الذى لا تبليك الليالى و الأيام، اسالك بالمسألة التي سالك بها ابراهيم خليلك فاطفات بها عنه النار، و الحقته بها بالابرار، و بالدعاء الذى دعاك به نجيك موسى فانجيت بنى إسرائيل من الظلمه، و اعتقتهم به من العبودية، و سيرتهم في البر و البحر، و غرقت فرعون و من اتبعه و بالتضرع الذى تضرع لك عبدك داود فرفعته، و وهبت له من بعد الضعف القوه، و نصرته على جالوت الجبار، و هزمته و بالمسألة التي سالك بها سليمان نبيك فمنحته الحكمه، و وهبت له الرفعه، و ملكته على كل دابه أنت محيى الموتى، و مفنى الدنيا، و تبقى