تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٥١٨ - ذكر خبر اسا بن أبيا و زرح الهندي
الى عبادته، و كان أبيا عابد أصنام، له صنمان يعبدهما من دون الله، و يدعو الناس الى عبادتهما، حتى أضل عامه بنى إسرائيل، و كان يعبد الأصنام حتى توفى ثم ملك ابنه اسا من بعده، فلما ملكهم بعث فيهم مناديا ينادى:
الا ان الكفر قد مات و اهله، و عاش الايمان و اهله، و انتكست الأصنام و عبادتها، و ظهرت طاعه الله و أعمالها، فليس كافر من بنى إسرائيل يطلع راسه بعد اليوم بكفر في ولايتى و دهري، الا انى قاتله فان الطوفان لم يغرق الدنيا و أهلها، و لم يخسف بالقرى، و لم تمطر الحجاره و النار من السماء الا بترك طاعه الله، و اظهار معصيته، فمن اجل ذلك ينبغى لنا الا نقر لله معصية يعمل بها، و لا نترك طاعه لله الا أظهرناها جهدنا، حتى نطهر الارض من نجسها، و ننقيها من دنسها، و نجاهد من خالفنا في ذلك بالحرب و النفى من بلادنا.
فلما سمع ذلك قومه ضجوا و كرهوا، فاتوا أم اسا الملك فشكوا إليها فعل ابنها بهم و بآلهتهم، و دعاءه إياهم الى مفارقه دينهم، و الدخول في عباده ربهم، فتحملت لهم أمه ان تكلمه و تصرفه الى عباده أصنام والده، فبينا الملك قاعد و عنده اشراف قومه و رءوسهم و ذوو طاعتهم، إذ اقبلت أم الملك فقام لها الملك من مجلسه، و امرها ان تجلس فيه، معرفه بحقها، و توقيرا لها فابت عليه و قالت:
لست ابنى ان لم تجبني الى ما ادعوك اليه، و تضع طاعتك في يدي حتى تفعل ما آمرك به، و تجيبنى الى امر، ان أطعتني فيه رشدت و أخذت بحظك، و ان عصيتني فحظك بخست، و نفسك ظلمت انه بلغنى يا بنى انك بدأت قومك بالعظيم، دعوتهم الى مخالفه دينهم، و الكفر بآلهتهم، و التحول عما كان عليه آباؤهم، و احدثت فيهم سنه، و اظهرت فيهم بدعه، اردت بذلك- فيما زعمت- تعظيما لوقارك، و معرفه بمكانك، و تشديدا لسلطانك، و في التقصير يا بنى دخلت، و بالشين أخذت و دعوت جميع الناس الى حربك، و انتدبت لقتالهم وحدك، اردت بذلك ان تعيد الأحرار لك عبيدا، و الضعيف