تاريخ الأمم و الملوك - الطبري، ابن جرير - الصفحة ٤٠٣ - ذكر نسب موسى بن عمران و اخباره
امرا فظيعا فولى مدبرا و لم يعقب، فناداه ربه: ان يا موسى اقبل و لا تخف، «سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى»، اى سيرتها عصا كما كانت قال: فلما اقبل قال: «خُذْها وَ لا تَخَفْ»، ادخل يدك في فمها، و على موسى جبه من صوف، فلف يده بكمه و هو لها هائب، فنودي ان الق كمك عن يدك، فالقاه عنها، ثم ادخل يده بين لحييها، فلما أدخلها قبض عليها فإذا هي عصاه في يده، و يده بين شعبتيها حيث كان يضعها، و محجنها بموضعه الذى كان لا ينكر منها شيئا ثم قيل: «أَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ» اى من غير برص- و كان موسى(ع)رجلا آدم اقنى جعدا طوالا- فادخل يده في جيبه ثم أخرجها بيضاء مثل الثلج، ثم ردها في جيبه، فخرجت كما كانت على لونه، ثم قال: «فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَ مَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ وَ أَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي»، اى يبين لهم عنى ما اكلمهم به، فانه يفهم عنى ما لا يفهمون «قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَ نَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَ مَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ».
رجع الحديث الى حديث السدى فاقبل موسى الى اهله فسار بهم نحو مصر حتى أتاها ليلا، فتضيف على أمه و هو لا يعرفهم، فأتاهم في ليله كانوا يأكلون فيها الطفيشل، فنزل في جانب الدار، فجاء هارون فلما ابصر ضيفه سال عنه أمه فاخبرته انه ضيف، فدعاه فأكل معه، فلما ان قعدا تحدثا، فسأله هارون: من أنت؟ قال: انا موسى، فقام كل واحد منهما الى صاحبه فاعتنقه، فلما ان تعارفا قال له موسى: يا هارون