تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩١ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١٤ الى ١٦
الاستعلاء لها على القوى الإدراكيّة و التحريكيّة، لتجرها [٥] بالتعويد [٦] من عالم الغرور إلى عالم السرور، و من معدن الجور و الزور و الثبور إلى منبع الحيوة و الرحمة و النور، حيث لا تزاحمها في مطالبها بل تشايعها في مآربها و تهتدي بهداها و تطيعها و تسلم لها في أوامرها و زواجرها، حتّى تنخرط معها في سلك طاعة اللّه و عبوديّته.
ثمّ لا شبهة في أنّ بناء تمرّد القوى و عصيانها عن طاعة النفس [٧] إنّما يكون بأحد أمرين: أحدهما ميلها إلى الشهوات و المرغوبات الحسيّة المضادّة للأمور الروحانيّة و الأغراض العقليّة. و ثانيهما الكسل و التبطّي عن طاعة العقل.
و إزالة كلّ منهما إمّا بقطع سببه [٨] ضو حسم مادّته أو بورود ضدّه عليه، و عمدة أسباب الوصول إلى الشهوات هو المال لأنّ بالمال يتمكّن الإنسان من تناول كلّ لذيذ و مباشرة كلّ شهيّ، فبترك المال يقطع جميع أسباب الشهوات الدنياويّة، و هو المراد بقوله: قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى.
و منشأ الكسالة في الطبع هو إنّما يكون لأجل استيلاء السكون و الضعف و عدم النشاط و الانبعاث في القوى المحرّكة، فيعالج هذا المرض و الآفة فيها بفعل ضدّه، و هو التحريكات البدنيّة كالصلوة و الصوم و الحجّ.
فالصلوة عمدة الجميع، فاكتفى بذكرها، إذ مع كونها متضمّنة للأذكار و الأوراد، مشتملة على الحركات البدنيّة عن القيام و القراءة و الركوع و السجود.
حتّى قيل: إنّ بدن الإنسان لأجل قواه النفسانيّة بمنزلة خشبة جامدة
[٥] ليتحرها- لتجردها- نسخة.
[٦] بالتعديد- نسخة.
[٧] طاعة اللّه- نسخة.
[٨] لا تكون الا بقطع سببه.