تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٨ - فصل وجوه دلالات وجود السماء على وجود الباري جل مجده
في تعيّنها، و مع ذلك لكلّ منهما حاجة إلى الاخرى من غير استقلال كما علمت. أمّا الهيولي ففي وجودها و بقائها، و أمّا الصورة ففي تشخّصها و تشكّلها، فهما متلازمان في الوجود، معان في التحقّق. فلا بدّ لهما من مقيّم يقيّم كلّا منهما بالأخرى، و هو غير جسم و لا جسماني. فيكون هو الواجب الوجود أو ملكا مقرّبا عقلانيّا يديم كلّا منهما بالأخرى بإذن اللّه تعالى دفعا للدور و التسلسل.
و أمّا الوجه السادس: فهو إنّ لكلّ من السماويّات محرّكا نفسانيّا لها قوّة عقليّة، و ذلك لأنّ حركة السماء و الكواكب ليست طبيعيّة لوجوه ثلاثة:
أحدها: إنّ الحركة الطبيعيّة تصدر عنها عند حالة غير طبيعيّة، فهي مؤديّة إلى حالة طبيعيّة هي سكونها، و ذلك عند ارتفاع الحالة الغير الطبيعيّة، و الأفلاك و ما فيها دائمة الحركات ما دام وجودها بإذن اللّه.
و ثانيها: إنّ الحركة الطبيعيّة تطلب أمرا تسكن عنده طلبا على أقرب الطرق، فهي إذن مستقيمة، و حركاتها مستديرات- كما يشاهد- و لأنّ المستقيمة لا تصلح لأن يحفظ بها وجود الزمان المتّصل الذي يستحيل أن ينفصل أجزاؤه في الوجود، اللهمّ إلّا في الوهم- كما قرّر في موضعه-.
و ثالثها: إنّ الطبيعة لا تقتضي مهروبا عنه مطلوبا و لا تهرب عن مطلوبها، و المستدير بخلاف ذلك.
فهي إذن غير طبيعيّة و لا قسريّة- إذ القسر خلاف مقتضى الطبع، فهي نفسانيّة حيوانيّة. و ليست مجرّد الحيوانيّة المطلقة منشأها، إذ مطلوب الحيوان- بما هو حيوان- في حركته الإراديّة إمّا جلب منفعة و هو الشهوة أو دفع مضرّة