تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٤٣ - إشراق
و العزيز بالحقيقة هو المتبرّي عن كلّ نقص و آفة، و المتمجّد عن كلّ قصور و شين، و الممتنع عن أن يصل إلى نيل جلاله أفهام العاقلين- فضلا عن الغافلين، أو أن يدرك كنه جماله أنظار الموحّدين- فضلا عن أوهام الملحدين و المعطّلين.
و الحكيم: العالم الذي يعلم نظام الخير في الأشياء، و يضع الأشياء على وجه يؤّدي إلى غاياتها الذاتيّة، و يترتّب عليها وجوه المنافع، و يتخلّى عن الشرور و الآفات بقدر الإمكان، و بالجملة على وجه يؤدّي المجموع إلى الخير المحض، و الجمال المطلق، و الكمال الأتم، و الجلال الأرفع.
فالحكمة مفهومها متحصّل من علم تامّ و قدرة بالغة، إذ القدرة صفة تؤثّر وفق العلم و الإرادة، و هي فينا من الكيفيّات النفسانيّة مصححّة للفعل و تركه و قوّة على الشيء و ضده، و تعلّقها بالطرفين على السويّة، فلا تكون تامّة لأنها فينا إمكان صرف و قوّة محضة، لأنّ مبادي أفاعيلنا الاختياريّة واردة علينا من خارج- كالعلم بالفائدة أو ما في حكمه، ثمّ الشوق، ثمّ الإجماع المسمّى بالإرادة و الكراهة- و فيه تعالى هي الفعل مطلقا، إذ لا جهة إمكانيّة فيه سبحانه و ليست قدرته مندرجة تحت إحدى المقولات، بل هي نفس وجود ذاته و كونه بحيث يصدر عنه الموجودات لأجل علمه بنظام الخير الذي هو عين ذاته، فإذا نسبت إليه الممكنات من حيث أنّها صادرة عن علمه، كان علمه بهذا الإعتبار قدرة، و إذا نسبت إليه من حيث أنّ علمه كاف في صدورها، كان علمه بهذا الإعتبار إرادة، و إذا كانت الأشياء الصادرة عن علمه على غاية الإحكام و الإتقان و خيّرية النظام، كان علمه بهذا الإعتبار حكمة.