تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٨ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) آية ١٧
و المعرفة من الأمور الاخرويّة التي يظهر للنفس بقدر ظهور سلطان الآخرة عليها. و كما إن الدار الآخرة موجودة الآن- كما عليه المحقّقون- و ظهورها يتوقّف [٧] على رفع الحجاب بالموت، فكذلك المعرفة و إن كانت حاصلة للعرفاء، و لكن قدر اللذة [٨] بها فانية في الدنيا لأجل الحجاب، و الحجاب بينك و بين اللّه هي الدنيا، و دنياك اشتغالك و تعلّقك بعلائقك الداثرة الفانية-
«من مات فقد قامت قيامته»
- أي القيامة الصغرى.
فعلم ممّا ذكرنا أنّ حصول أصل المعرفة باللّه تعالى في الدنيا يوجب اللذة العظيمة الوافرة الدائمة عند رفع الحجاب- أي في الآخرة-.
بل التحقيق أنّ نفس المعرفة الحاصلة هاهنا بالبرهان اليقيني هي التي تستكمل بعينها في الوضوح و الجلاء عند زوال الغشاء و كشف الغطاء، و تنقلب بمشاهدة، و لا يكون بين المعلوم في الدنيا بالعلم البرهاني و المشاهد في الآخرة [فرق] إلّا من حيث شدّة الوضوح و ضعفه، و لهذا قيل: «المعرفة بذر المشاهدة».
و كما أنّ اختلاف البذر يوجب اختلاف الزروع و الثمرات، حيث يحصل من البرّ البرّ، و من الشعير الشعير، فكذلك الدنيا مزرعة الآخرة. و معارف الناس في الدنيا مختلفة، فتكون مشاهداتهم في الآخرة مختلفة نوعا و عددا و قوّة و ضعفا، فمن لم يعرف اللّه في الدنيا فكيف يراه في الآخرة بالشهود القلبي و البصيرة العقليّة؟
و كما أنّك ترى في الدنيا من يؤثر لذّة الرياسة على المنكوح و المطعوم و ترى من يؤثر لذّة العلم لانكشاف مشكلات ملكوت السموات و الأرض
[٧] موقوف- نسخة.
[٨] لكن اللذة- نسخة.