تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٦ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) آية ١٧
ما ورائها، مع استحالة الوصول إلى لذّة لا يكون ورائها لذّة فوقها، و هذه بخلاف لذّة الآخرة، إذ فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين، و لكلّ واحد من أهل الآخرة ما يبلغ إليه همّته و يصل إليه قصده و شهوته.
و ثالثها: إنّ اللذّة الدنياويّة مشتركة فيما بين الناس و البهائم و الديدان و الخنافس، و اللذات الاخرويّة مشتركة فيما بين أفاضل الناس من الأنبياء و الأولياء و السعداء و أفاضل الملائكة.
و رابعها: إنّ هذه اللذات الدنياويّة لو كانت خيرات حقيقيّة و سعادات لكانت كلّما كانت أكثر، كانت الفائز بها أكمل و سعادتها أكثر، و معلوم إنّه ليس كذلك، لأنا لو فرضنا رجلا من العقلاء لا همّ له [٥] إلا الأكل و الشرب و الوقاع، و كان مدّة عمره مقصورا على تحصيل هذه المهمّات لكان عند العقلاء منسوبا إلى الخسّة و الدنائة، و إلى أنّه كالبهيمة. و أمّا من كان إعراضه عن هذه الأحوال أشدّ و بعده عنها أكثر كان إلى الكمال و الشرف أقرب، و إلى الروحانيّات و أهل اللّه أنسب، و بهم أشبه.
فعلم من ذلك أنّ اللذات الاخرويّة و ما عند اللّه خير عند أولى الألباب و ذوي الآراء الصحيحة من اللذات الدنيويّة، و لهذا السبب كان الإنسان لا يقدم على الجماع عند حضور الناس، فلو كانت تلك اللذات من باب الكمال لكان إظهاره أولى من إخفائه لا محالة.
و كذا لا يفتخر العاقل بكثرة الأكل و الشرب و يفتخر بالعلم- و لو في شيء خسيس- و يفرح به، و يغتمّ بالجهل- و لو في شيء حقير- و حتّى أنّ الإنسان لا يكاد يتجاوز عن التحدّي بالعلم و الافتخار به في الأشياء الحقيرة،
[٥] لا يتم له- نسخة.