تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٩٧ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) آية ١٧
و العالم بالشطرنج على خستّه لا يطيق السكوت عن التعليم و إظهار المعرفة فيه، كلّ ذلك لفرط لذّة العلم و ما يستشعر من كونه كمالا حقيقيّا، فإنّ العلم من أخصّ صفات الربوبية- و هو منتهى الكمال- أما ترى أنّ الإنسان كيف يرتاح إذا اثنى عليه بالذكاء و غزارة العلم، لأنّه يستشعر عند ذلك جمال ذاته و حسن نفسه، حسنا لازما أبديّا، فيتعجّب بنفسه و يلتذّ بها.
ثمّ ليس لذّة العلم بالمتغيّرات و العلوم الجزئيّة و الصنايع- كالنحو و الصرف و العروض و صنعة الحراثة و الخياطة- كلذّة العلم باللّه و صفاته و ملائكته [٦] و ملكوت السموات و الأرض، لأنّ لذّة العلم بقدر شرفه، و شرفه بقدر شرف المعلوم. و ليت شعري هل في الوجود شيء أجلّ و أشرف و أعظم من الحقّ المعبود و صفاته و ملائكته [٧] و ملكوت سماواته و أرضه و كتبه و رسله.
و بهذا يتبيّن أنّ العلم لذيذ، و أنّ ألذّ العلوم العلم باللّه و صفاته و أفعاله و تدبيره في مملكته، و لهذا اعتنى بتحصيله الأنبياء و الحكماء و العرفاء، و هو الذي به يتحقّق شرفهم و كمالهم و فضيلتهم على سائر الخلق، لا بنفس الأعمال الجزئيّة و الأفعال البدنيّة، و العلوم التي يتعلّق بإصلاح تلك الأعمال و الأفعال التي وجودها بقدرتنا و اختيارنا.
- و بالجملة- العلم كمال الروح، و العمل كمال البدن و كما أنّ جوهر الروح أشرف من جوهر البدن كان لذّتها و كمالها أشرف و ألذّ من كمال البدن، فالابتهاج بمعرفة اللّه- و هي أصل المعارف- أشرف من الابتهاج بالمطعم الهني و المنكح الشهيّ و الملبس البهيّ و الظفر بالاستيلاء على العدوّ الدنيّ الحيوانيّ.
(٦- ٧) ساقطة من بعض النسخ.