تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٣ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١٠ الى ١٣
عواقب الأمور و نسيانه أمر الآخرة و أمر النفس و كيفيّة عوده إلى النشأة الثانية.
فالقسم الأوّل هو المشار إليه بقوله: سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى فإنّ الخشية و التذكّر متلازمان، كلّ منهما يوجب الآخر. فإنّ من سمع دعوة الأنبياء ثمّ خطر بباله أنّ هذه الدنيا واهية فانية داثرة فاسدة على كلّ حال: فلو لم يشتغل بعمارة النشأة الآخرة فربما وقع في الهلاك السرمدي، فقد حصل له الخوف. فإذا حصلت له هذه الخشية تحمله على النظر في دعوة الأنبياء و التأمّل في امور الآخرة و مراتب سعادة النفس و شقاوتها و ما به نجاتها أو هلاكها، و هذا التذكّر و هذا التذكير يبعثه على الاجتناب عن المعاصي و الرذائل، و الاكتساب للطاعات و الفضائل خوفا من الهلاك و العذاب و طمعا للنجاة و الراحة، فهو الذي ينتفع بدعوة الأنبياء.
و أمّا القسم الثاني الذين لا ينتفعون بدعوتهم و لا يحملهم الخشية على تحصيل الدرجات و طلب التخلّص عن العقوبات، فإليهم الإشارة بقوله تعالى: وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى* الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى و ذلك لأنّ من أعرض عن ذكر الآخرة لأجل تسلّط الشهوات الدنياويّة على قلبه و استيلاء الحرص في طلب المآرب الحيوانيّة من المال و الجاه و النساء و البنين و غيرها على طبعه، لا يكون بصدد استكمال النفس بالعلم و العمل و لا يشتغل بفعل الطاعات و ترك المعاصي و الشهوات فيتوغّل في الدنيا الدنيّة و يخلد إلى الأرض و يستحكم علاقته مع البدن و الشهوات و يقوي محبّته لها.
و كلّ من اشتدّت محبّته و علاقته لشيء فإن زال اشتدّت محنته و مصيبته عند مفارقته و مزايلته عنه، فإذا مات الإنسان الذي تأكّدت علاقته الشوقيّة