تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٨٤ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ١٠ الى ١٣
مع الدنيا و لذّاتها، فقد فارق ما كان محبوبا و ذهب إلى موضع ليس له به معرفة و لا له بأهل الآخرة انس و معارفة، فبالضرورة كان له أذى عظيم أعظم من احتراق هذه النار الدنياويّة التي هي النار العنصري [٣] كل ذلك لأجل إعراضه عن الذكر في أمر آخرته عند رجوعه إلى بارئه، كما في قوله تعالى:
وَ مَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً [٢٠/ ١٢٤].
و قد ظهر بالمشاهدة الروحانيّة- للأنبياء و من تبعهم حقّ المتابعة- ظهورا أوضح من المعاينة الحسيّة إنّ أصناف الآلام الاخرويّة المتعاقبة [٤] على روح من آثر الحيوة الدنيا ثلاثة كلّها روحانيّة، واقعة قبل مقاساة عذاب النار الجسمانيّة، التي تكون في آخر الأمر و هي حرقة المشتهيات، و خزي خجلة المفضّحات، و حسرة فوت المحبوبات.
و بيان كلّ منها يحتاج إلى بسط في الكلام لا يسعه هذا المقام.
- و بالجملة- العذاب و الألم ليس منحصرا في الإحراق بالنار و التجميد بالزمهرير، الذين مرجع التألّم فيهما إلى تفرّق الاتّصال في جوهر مباين لجوهر الروح، التي لها نوع تعلّق جسمي و ارتباط شوقيّ به و بأحواله بسبب ذلك يتألّم بفقد حالة من حالاته، و بالحقيقة منشأ هذا التألّم الحاصل من النار الجسمانيّة- الذي يكون أشدّ مراتب الآلام الحسيّة- هو المحبّة و الإلف بالبدن، و هو جسم، و الأجسام خارج عن حقيقة الروح.
فإذا كان هذا حال الروح لأجل فقد الاتّصال أو الامتزاج بين أجزاء هذا المحبوب المباين عن ذات الروح، فيكف يكون حالها عند وجدان الخلل
[٣] الصغرى- نسخة.
[٤] المعاقبة- نسخة.