تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٨ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ٦ الى ٩
و أمّا الإشارة إلى تكميل نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله في القوّة العمليّة و بحسب نسبته إلى الخلق فهو المراد في قوله: وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى لانّ معناه و نوفّقك للطريقة التي هي أيسر و أسهل، و وجه ذلك أنّ الناس كلّهم مشتركون في أصل القدرة على الفعل الحسن و الفعل القبيح، و العفّة و الفجور، و الورع و الفسوق إلّا أنّ من الإنسان من يكون وجه تحصيل الملكات الفاضلة عليه أسهل، و طبعه عن الصفات الرذيلة أميل و نفسه على سلوك طريق الخير و السعادة أقدر، و الاجتناب عن طريق الشرّ و الشقاوة عليه أيسر، لكونه شريف النفس نجيب الطبع.
و هذه السهولة في الطبع عبارة عن الصفة المسمّاة بالخلق، فمن كان سعيدا، لطيف الذات، شريف النفس، طاهرا زكيّا نقيّا، كانت نفسه سهل القبول للسعادات، يسير التفهّم لوجوه الخير في الأعمال و الأفعال، سريع الانقياد لطاعة الحقّ، شديد الانفعال عن المبدإ الفعّال، قويّ الاتّصال بالواهب الفيّاض المتعال، فلا محالة يكون بما استفاض و تعلّم من الجنبة العالية من الخيرات و العلوم و الكمالات مفيضا على بني نوعه، و معلّما لقومه و هاديا و مرشدا لمن دونه من امّته، فقوله تعالى وَ نُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى إشارة إلى هذه الدرجة، كما أنّ قوله تعالى: وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [٦٨/ ٤] إشعار باستحقاق نبيّنا بحسب خاصيّة ذاته و قوّة نفسه و صفاء فطرته و تنوّر عقله مرتبة النبوّة و الرسالة.
فقد وقعت الإشارة إلى اتّصاف النبيّ صلّى اللّه عليه و آله بمجموع الكمالين الذين لا بدّ للنبيّ من حيث هو نبيّ أن يجتمعا فيه، و أشير أوّلا إلى كمال القوّة النظريّة التي بحسب حاقّ جوهر نفسه، ثمّ إلى كمال القوّة العمليّة