تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٦ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ٦ الى ٩
تحفظه ثمّ لا تنساه [٥].
و قوله تعالى: إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ قيل: الغرض منه نفي النسيان رأسا كما يقول الرجل لصاحبه: أنت سهمي فيما أملك إلّا فيما شاء اللّه و لا يقصد استثناء شيء. و هو من استعمال القلّة مكان النفي.
و قيل: قوله: فَلا تَنْسى على النهي، و الألف مزيدة للفاصلة يعني فلا تغفل قرائته و تكريره فتنساه إلا ما شاء اللّه أن ينسيكه بنسخه، من رفع حكمه و تلاوته. و على هذا فالإنساء نوع من النسخ.
و قيل: إن جوهر النفس الإنسانيّة ما دامت في هذه النشأة الظلمانيّة الهيولانيّة لا تصير عقلا صرفا لا يكون فيه ما بالقوّة، فلا جرم قد يلحقها فتور في قدرتها و ضعف في حفظها و إمساكها للمعقولات.
و أقول: يمكن أن يقال: إنّ المعقولات التي هي بمنزلة الدعائم و الأصول في المعارف الإلهيّة كانت بحيث لا يتطرق إليها الغفلة و النسيان عنها في نفس النبي صلّى اللّه عليه و آله، و هي التي لم يجز النسخ في حكمها و لا الخلاف بين ملل الأنبياء عليهم السّلام بحسبها، و أمّا ما لم تكن [٦] بهذه المثابة فهي المعقولات التي بمنزلة الفروع و الفضول، فيجوز فيها الإهمال و النسيان و الاختلاف في ثبتها و نسخها بحسب اختلاف الأزمنة و أحوال الأمم.
و أمّا قوله تعالى: إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَ ما يَخْفى فهو إشارة إلى إثبات العلم له تعالى و التخلص [٧] عن ذميمة الجهل و النقص.
و بيانه: إنّه لمّا وعد نبيّه صلّى اللّه عليه و آله أن يجعل جوهر نفسه
[٥] الكشاف: ٣/ ٣٣١. و جاء ما يقرب منه في مجمع البيان: ١٠/ ٤٧٥ و الدر المنثور: ٦/ ٣٣٩.
[٦] و اما التي- نسخة.
[٧] و التجرد- نسخة.