تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٧٥ - قوله تعالى سورة الأعلى(٨٧) الآيات ٦ الى ٩
تعالى بوساطة بعض ملائكة العقليّة لا بالتعلّم، و إلّا لم يكن متوسّطا بين الحقّ و الخلق، بل بين الخلق و الخلق، فلم يكن ما فرضناه نبيّا نبيّا- هذا خلف-.
و لا بدّ أن يكون كاملا فيما يتعلّق بالأحكام و السياسات الدينيّة، مؤيّدا بالمعجزات الظاهرة، ليكون دعوته للخلق مسموعا لهم خوفا من سطوته و سياسته. و إلّا فالجحود و الإنكار و الاستنكار عن سماع الحقّ و الاشتغال بطلب الشهوات غالب على أكثر الخلق، فلا يمكن إيصال المعاني اللطيفة إلى قلوبهم إلا بعد أن تلين قلوبهم و يسكن إنكارهم و يزول استكبارهم.
فثبت إنّ النبي لا بدّ و أن يكون كاملا في القوّتين، العقل و العمل، قويّا في النشأتين، الأخذ من الحقّ و التبليغ إلى الخلق.
و لمّا ثبت بالبرهان أنّ القوّة العاقلة و كمالها أشرف من القوّة العاملة و كمالها لا جرم وجب تقديم العاقلة من جهة شرفها في الذكر على العاملة و إليه وقعت الإشارة بقوله: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى و المعنى إنّه سبحانه بشّره بإعطاء قوّة ملكوتيّة و نور عقلانيّ يتقوّى بها جوهر روحه و يكمل بحيث يصير نفسا قدسيّة و نورا شعشعانيّا مشرقا بالعلوم الحقيقيّة و المعارف الإلهيّة، و يصير بحيث إذا عرف شيئا لا ينساه، و يكاد زيت نفسه الناطقة يضيء بنور عقله المستفاد من الجوهر المفارق العقلاني الذي هو نار معنويّة من نور اللّه، و لو لم تمسسه نار التعليم البشري.
و هذا هو الذي فهمناه، من قوله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى لما
روي إنّه صلّى اللّه عليه و آله كان يعجل بالقرائة إذا لقنه جبرئيل عليه السّلام، فقيل له: لا تعجل، فإنّ جبرئيل مأمور بأن يقرأ عليك قرائة مكرّرة، إلى أن