تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٣ - قوله عز اسمه سورة الواقعة(٥٦) الآيات ٢٠ الى ٢١
في عرفهم فيكون هذا حاله- و إن كان بعد في الدنيا- مثل حال أهل الجنّة، فما يقول لشيء «كن» إلّا و يكون.
و
روي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله: إنّه قال- حين كان في غزوة تبوك-: كن أبا ذر. فكان أبا ذر [١٩].
و ذلك لأنّ اللّه قد حوّل باطنه في النشأة الاخرويّة، بل ما من عارف باللّه من حيث التجلّي الإلهيّ إلّا و هو قبل [٢٠] النشأة الآخرة قد حشر في دنياه و نشر في قبره، فهو يرى ما لا يراه الناس و يشاهد ما لا يشاهدون و يفعل ما لا يفعلون عناية من اللّه ببعض عباده- كما أعرب عنه بعض العرفاء حكاية عن نفسه [٢١].
و بيانه ممّا يحتاج إلى اظهار لمعة من علوم المكاشفة قريبة المأخذ من علوم المناظرة، و هو إنّ اللّه- سبحانه- قد خلق النفس الإنسانية و أبدعها مثالا له ذاتا و صفة- و لله المثل الأعلى- و فعلا مع التفاوت العظيم بين المثال و الممثّل له، و لذلك جعل معرفتها وسيلة إلى معرفته كما يدلّ عليه الحديث المشهور:
«من عرف نفسه فقد عرف رّبه» [٢٢].
فهي قد أبدعت مفتاحا لمعرفة اللّه تعالى ذاتا و صفة و أفعالا، لكونها مثالا له كذلك، أما الذات فقد خلقها الباري وجودا نوريّا مفارقا عن الأجرام
[١٩] السيرة النبوية لابن هشام: ذكر غزوة تبوك، ج ٢ ص ٢٥٤.
[٢٠] على- نسخة.
[٢١] راجع الحديث عن الحارثة بن النعمان في الكافي: (٢/ ٥٤) باب حقيقة الايمان و اليقين.
[٢٢] مصباح الشريعة: ص ٤١، و نسبه ابن أبي الحديد ٤/ ٥٤٧ الى علي عليه السّلام.