تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣٠٤ - خاتمة
حبّ اللّه، لإحسانه إليها و إنعامه عليها بحظوظها العاجلة و بحبّه لأنه أهل له، حبّه من حيث جماله و جلاله الذي انكشف لها، و هو أعلى الحبّين و أقواهما، و لذّة مطالعة جمال الربوبيّة التي عبّر عنها
النبيّ صلّى اللّه عليه و آله حيث قال حكاية عن اللّه: «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت و لا اذن سمعت»- الحديث-.
و اعلم إنّ عبادا ممن قد يعجلّ لهم بعض هذه اللذات العلي- و هم بعد في حياتهم الدنيا- لأنّه قد انتهى صفاء قلوبهم و لطافة أذهانهم إلى الغاية، و لذا قال بعضهم إنّي أقول «يا ربّ يا اللّه» فأجد ذلك أثقل على قلبي من الجبال، لأنّ النداء يكون من وراء حجاب، و هل رأيت جليسا ينادي جليسه؟
و حكي إنّ رجلا جاء إلى أبي يزيد فقال: «بأيّ شيء أستعين على عبادة ربّي؟» فقال: «باللّه إن كنت تعرفه» لأنّ أدنى منازل العارف علمه بأنّه ليس به شيء من الحول و القوّة، فإذا علم بذلك، صارت الأشياء كلّها له.
و قال فضيل: من عرف اللّه حقّ معرفته صارت جميع حركاته طاعة، و جميع أنفاسه ذكرا، و جميع أحواله أنسا، و جميع إراداته هويّة (هديّة).
و سئل بعض أصحاب القلوب عن حقيقة المعرفة فقال: طيران القلب في علّيين، و جولانه في حجب القدرة التي لا يعرفها إلّا من أصمّ أذنيه عن سماع الباطلات، و أعمي عينيه عن النظر إلى الشهوات، و أخرس لسانه عن التكلّم بالفضولات. و هو ما قيل في حقيقة المعرفة: و العارفون صمّ بكم عمي، و قيل: من عرف اللّه كلّ لسانه و دهش عقله و دام تحيّره.
و قال بعضهم: إنّ للعارفين نارا و نورا، نار الخشية و نور المعرفة فالدنيا تبكي عليه بعين الفناء، و الآخرة تضحك إليه بعين البقاء. فكيف يقدر