تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٧٤ - الإشراق الرابع أحوال الذاكر و مراتب سلوكه
العالم العقلي كالظلّ من الشخص، فكما ليس لظلّ الشخص حقيقة الشخص، فليس للشخص- أي الجسم- حقيقة الوجود، بل هو ظلّ حقيقة الوجود، و الكلّ من صنع اللّه وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ ظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ [١٣/ ١٥] و سجود عالم الأمر للّه طوع، و سجود الظلال كره، و تحت هذا سرّ، بل أسرار يحرّك أوائلها سلسلة المجانين و الحمقى فضلا عن أواخرها.
الإشراق الرابع [أحوال الذاكر و مراتب سلوكه]
إذا فهمت معنى مراتب الذكر و الذاكر و فناء الذاكر بحسب المرتبة الأخيرة في المذكور، فإيّاك و الاستنكار و التكذيب بما لم يحط به علمك و لم تحط بعلمه، كما قال سبحانه: بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ [١٠/ ٣٩] و قال أيضا: وَ إِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هذا إِفْكٌ قَدِيمٌ [٤٦/ ١١].
و اعلم [إن] أوّل الأمر هو الذهاب إلى اللّه، و إنّما الهدى بعده، كما مرّ ذكره في قوله تعالى حكاية عن الخليل عليه السّلام: قالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ [٣٧/ ٩٩] فأوّل الأمر ذهاب إلى اللّه، ثمّ ذهاب في اللّه تعالى، و ذلك هو الفناء و الاستغراق به، و لكن هذه أوّلا يكون كالبرق الخاطف قلّما يدوم و يثبت، فإن دام و صار ملكة راسخة و هيئة ثابتة عرج به إلى العالم الأعلى و طالع الوجود الحقيقي للمولى، و انطبع فيه نقش الملكوت، و تجلّي لذاته قدس اللاهوت.
و أوّل ما يتمثّل له من ذلك العالم جواهر الملائكة و أرواح الأنبياء