تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٢ - الإشراق الرابع تمنى الموت دليل كون صاحبه أهل السعادة
و من جملة الأغيار المحبوبة بالمحبّة المجازيّة هي النفس و الأهل و الولد و المال و الجاه و الشهرة، و كلّ محبة لمحبوب مجازيّ يمنعه عن نحو من العبوديّة التامّة و المحبّة الحقيقيّة للّه تعالى.
فمن غلب عليه محبّة المال تمنعه عن الزكاة، و محبّة الوطن تمنعه عن الحجّ، و محبّة البدن بالأكل و الشرب تمنعه عن الصوم، و محبّة النفس تمنعه عن الجهاد، و محبّة الجاه و الشهرة تمنعه عن تعلّم العلوم الحقيقيّة عن الغير و الاعتراف بقصوره و جهله و الإقرار بفضيلة من هو أعلم منه كثيرا.
فترك كلّ منها علامة من علامات محبّة اللّه من جهة امتثال أمره بما يكرهه و نهيه عمّا هو يحبّه، فمهما ترك جميع محبوباته فحصل له علامة الاستعداد للقاء اللّه فيهون عند ذلك عليه الموت، لأنّ محبّة كلّ شيء سوى اللّه فرع محبّة النفس، فمهما ترك بمحبّة النفس زالت عنه محبّة كلّ شيء سوى اللّه، فصار وليّا من أولياء اللّه، عارفا به، مشتاقا إليه، و إلى عالم ملكوته، فيتمنّى الموت.
فتمنّى الموت لهذا الوجه يكون من علامة ولاية اللّه و عرفانه، و لذا قال فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ و من كان حاله على مضادّة هذا الحال حيث يحبّ النفس و الولد و الأهل و المال و العشيرة و الجاه، يكون من أعداء اللّه، كما قال سبحانه قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ [٩/ ٢٤].