تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٣ - الإشراق الخامس فهم القرآن
استكشاف أسرار هذا المعنى و ما يرتبط بمقدّماته و لواحقه لانقطع العمر قبل الوصول إلى الإحاطة بجميع لواحقه، و القرآن مشحون بأمثاله، بل ما من كلمة من القرآن إلّا و تحقيقها محوج إلى مثل ذلك.
و إنّما ينكشف للعلماء الراسخين في العلم من أسراره و أنواره بقدر غزارة علومهم و صفاء قلوبهم و توفّر دواعيهم على التدبّر و تجرّد هم للطلب، و يكون لكلّ واحد حدّ في الترقّي إلى درجة منه، فأمّا الاستيفاء التامّ فلا مطمع لأحد فيه، و لو كان البحر مدادا و الأشجار أقلاما و الخلائق كتّابا لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات اللّه، فأسرار كلماته و أنوار آياته ممّا لا نهاية لها و لا بداية، فمن هذا الوجه يتفاضل الخلق في الفهم بعد الاشتراك في معرفة ظاهر التفسير.
فقس على هذا المثال جميع ما ورد في الكتاب و السنّة، و لا تغتر بما سمعته أو تلقّفته من معلّميك في أوان الجاهليّة و زمان الاحتجاب، فإنّها كلّها تماثيل و أشباح للحقائق- إن لم يكن أغلاطا فاسدة- و إنّها قوالب و صور بلا معنى إن لم يكن أوهاما باطلة، و ظواهر أعمال بلا فائدة تبقى، و خيال أشخاص من غير صورة بها تحيى، و مثال أشجار بلا ثمرة تجنى، و حبال و عصيّ يخيّل من سحرهم أنّها حيّة تسعى- قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [١٨/ ١٠٤].
و من الأمثلة أيضا في فهم الأسرار و الأنوار المودعة في ألفاظ القرآن و الحديث ما ذكره بعض أصحاب القلوب في معنى
قوله صلّى اللّه عليه و آله في سجوده: أعوذ بعفوك من عقابك، و أعوذ برضاك من سخطك، و أعوذ بك منك،