تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٩ - سورة الجمعة مدنية و آياتها احدى عشرة
على قلوب عبادي مما أفضنا على قلبك و علّمهم ما علّمناك، و هذه الإفاضة و التعليم- و إن كانت عامّة شاملة- و هذه الهداية و الحكمة- و إن كانت تامّة كاملة- لم ينتفع بها إلّا النفوس السليمة عن أمراض الإعراض عن الحكمة و الكفر و الطغيان، و القلوب الساذجة عن آفات الحسد و الطغيان لقوله: إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [٢٦/ ٨٩] و أمّا النفوس الشقية العنودة الفسوقة التي كفرت بأنعم اللّه فلم تؤثّر فيها الحكمة و القرآن، بل أثّرت فيها أضداد ما يؤثّر في أهل السلامة و الايمان، كمثال نور الشمس و اختلاف تأثيرها في تنوير بعض الجواهر و إظلام البعض، و ترويح الموادّ الطيبة و تعفين الموادّ العفينة، و تبييض ثياب القصّارين و تسويد وجوههم.
فهكذا حكم تأثيرات أنوار القرآن على القلوب المتخالفة في الصفاء و الكدورة و اللطافة و الكثافة يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً و ذلك لاختلاف القوابل و الاستعدادات و تفاوت الغرائز و الجبلّات، فالهادي بالذات لقوم ربّما يكون مضلّا لقوم آخر من هذا الوجه، و الانتفاع بالرسول و القرآن إنّما يختصّ بأهل الاهتداء و الايمان لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا [٣/ ١٦٤] دون الكفّار و المنافقين سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [٢/ ٦].
ففائدة هذه البعثة و الإرسال و نتيجة هذا الإنذار و الإنزال أمّا بالنسبة إلى ذوي القلوب السليمة فبأن يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَ يُزَكِّيهِمْ وَ يُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ و يرشدهم إلى سبيل اللّه و يهديهم إلى رضوانه و جنانه، و يبيّن لهم أحوال الآخرة و توزيع الدرجات و تفاوت السعادات و الشقاوات، و يشرح لهم الطاعات المنوّرات المقرّبات، و المعاصي المكدّرات المبعّدات،