تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٥ - قوله عز و جل سورة السجده(٣٢) آية ٢
الأرواح و القلوب بمنزلة الكتب و الصحائف، و يصحّح إطلاق الكتاب و الصحيفة عليها، قوله تعالى: أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ [٥٨/ ٢٢].
و هل الكتاب إلا ما كتب فيه شيء، سواء كان كتابة عقلية أو حسية، و هل الكتاب إلا تصوير الحقائق، سواء كان بآلة القصب و المداد في قرطاس أو جلد حيوان، أو بواسطة الملك الملهم الملقي للحقائق في صفحة الدماغ أو النفس بمداد الفيض الإلهي، و من يحجبه الظاهر المحسوس عن الباطن المستور و لا يفهم من الميزان إلا ما له كفّتان، و لا خبر له من موازنة العالمين و تطابق النشأتين، فلا يمكنه التصديق بوجود كتب اللّه المنزلة على أنبيائه تصديقا عرفانيا ايمانيا، بل تصديقا لسانيا أو تقليديا، و شيء منهما لا يسمن و لا يغني، و يحرم أيضا عليه معرفة صحائف الناس يوم العرض الأكبر، و كذا الفرق بين كتاب الأبرار الأخيار، و بين كتاب الفجار الأشرار، المشار إليها بقوله تعالى: إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ [٨٣/ ٨- ٧] و قوله: إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ* وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ* كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ- هذا- [٨٣/ ١٨- ٢١].
و أما قوله «رَبِّ الْعالَمِينَ» ففيه إشارة إلى أن كل إنسان كامل حكيم عالم تام في نفسه، إذ فيه صور جميع ما في العالم على وجه ألطف، و قد ذكر الحكماء في معنى الحكمة إنها صيرورة الإنسان عالما معقولا مضاهيا للعالم المحسوس، و قال ابو يزيد البسطامي: «لو أن العرش و ما حواه دخل في زاوية من زوايا قلب أبي يزيد لما أحسّ به» فكل عالم رباني في الآخرة عالم تام لا يعوزه شيء من الأشياء و لا يفتقر إلى شيء خارج عنه و عن ملكه و عالمه و سلطانه، و لا يبعد أن يكون هذا سر إيراده بصيغة الجمع الموضوعة لذوي العقول- فافهم و انتبه.